أحدهما: ما من غائبة في السماء والأرض مما كان ويكون أبد الآبدين إلا كان ذلك مبينا في كتاب مبين، يخبر أنه كان لم يزل عالمًا بما كان منهم أبد الآبدين، وأنه عن علم بأفعالهم وصنيعهم خلقهم وأنشاهم، لا عن جهل وغفلة.
والأني: (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) . أي: ما من غائبة عن الخلق ما يغيب بعضهم من بعض ويستر بعضهم بعضا، (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) : إلا كان ذلك عند اللَّه محققا ظاهرًا مرقوبا، ينبههم؛ ليكونوا على حذر؛ يقول: إن ما يغيب بعضهم من بعض فهو عند اللَّه محفوظ رقيب لا يغيب عنه شيء؛ كقوله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، واللَّه الموفق.
قَالَ بَعْضُهُمْ: في قوله: (عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ) . أي: أعجل لكم.
وقوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)
قوله: (أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) مقطوع من قوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) ؛ كأنه قال: (يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) . أي: يبين لهم، ثم قال على الاستئناف: (أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) .
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا، ولكن هو موصول بعضه ببعض؛ (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ) . أي: يبين على بني إسرائيل أكثر ما اختلفوا فيه.
فإن كان على ما يقول هذا، فهم بأنفسهم يبينون الاختلاف الذي هم فيه لا يحتاج إلى أن يبين القرآن الذي هم فيه يختلفون؛ إذ هم يبينون ما اختلفوا فيه.
ولكن تأويله - واللَّه أعلم - إن هذا القرآن يبين لهم الحكم في أكثر ما يختلفون، أو يبين لهم الحق في أكثر ما يختلفون فيه.