ففى صفات السلب الثلاث هذه ، تعريض بغير المؤمنين أصلا ، وبغير المؤمنين الذين لم يكمل إيمانهم ، ولم يصبحوا أهلا لأن يكونوا من عباد الرحمن ..
ثم تختم هذه الصفات الإيجابية والسلبية التي وصف بها المؤمنون - تختم بهذا الوصف الذي تسوّى به صورتهم على أحسن حال وأكمله ، حتى يصبحوا قدوة للناس في الخير والإحسان - « وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً » فهم على حال من الكمال الإنسانى ، بحيث يكونون فيه أئمة ، يدعون الناس إلى الهدى ، ويقودونهم إلى البرّ والتقوى ..
وارجع البصر كرة أخرى إلى هذه الآيات ، وإلى سلاسة نظمها ، وتدفّق
سلسالها ، وروعة بيانها ، وصلصلة أنغامها ، ثم استروح أنسام هذا الإعجاز الذي يطلع عليك ، من هذا المنطق المحكم ، الذي يستولى بسلطانه على كل نفس ، وينفذ بقدرته إلى كل قلب ..
فإنك إن فعلت - وخير لك أن تفعل - رجعت وملء إهابك خشوع وولاء ، لآيات اللّه ، ولكلمات اللّه ، وكنت في هذا الموكب الكريم ، الذي ينتظم عباد الرحمن ، الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا .. « وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً » (109: الإسراء) ..
قوله تعالى: « قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً » ..
وبهذه الآية تختم السورة ، وهي إعلان عام للناس جميعا - مؤمنين وكافرين ، مهتدين وضالين - إعلان لهم أنهم ما خلقوا إلا ليعبدوا اللّه ، وأن من لا يعبد اللّه ، فكأنه غير مخلوق ، لأنه لم يؤدّ ما خلق له.
وعبأ بالشيء يعبأ به: إذا اهتمّ به ، وعمل له حسابا .. والعبء: الحمل الثقيل ، من ماديات أو معنويات ..