ومعنى السلام: الدعاء لهم بالسلامة من الآفات ، وانتصاب {خالدين فِيهَا} على الحال أي: مقيمين فيها من غير موت {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} أي: حسنت الغرفة مستقرًّا يستقرّون فيه ، ومقاماً يقيمون به ، وهذا في مقابل ما تقدّم من قوله: {سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} .
{قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ} بيّن سبحانه أنه غنيّ عن طاعة الكلّ ، وإنما كلفهم لينتفعوا بالتكليف ، يقال: ما عبأت بفلان: أيّ: ما باليت به ، ولا له عندي قدر ، وأصل يعبأ من العبء ، وهو الثقل.
قال الخليل: ما أعبأ بفلان أي: ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ، ويدّعي أن وجوده وعدمه سواء ، وكذا قال أبو عبيدة.
قال الزجاج: {مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّي} يريد: أيّ وزن يكون لكم عنده؟ والعبء: الثقل ، وما استفهامية ، أو نافية ، وصرح الفراء: بأنها استفهامية.
قال ابن الشجري: وحقيقة القول عندي: أن موضع"ما"نصب ، والتقدير: أي عبء يعبأ بكم؟ أي: أيّ مبالاة يبالي بكم؟ {لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ} : أي: لولا دعاؤكم إياه ، لتعبدوه ، وعلى هذا ، فالمصدر الذي هو الدعاء مضاف إلى مفعوله ، وهو اختيار الفراء ، وفاعله محذوف ، وجواب لولا محذوف: تقديره: لولا دعاؤكم لم يعبأ بكم ، ويؤيد هذا قوله:
{وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، والخطاب لجميع الناس ، ثم خصّ الكفار منهم ، فقال: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} .
وقرأ ابن الزبير"فقد كذب الكافرون"، وفي هذه القراءة دليل بين على أن الخطاب لجميع الناس.
وقيل: إن المصدر مضاف إلى الفاعل أي: لولا استغاثتكم إليه في الشدائد.
وقيل: المعنى: ما يعبأ بكم أي: بمغفرة ذنوبكم لولا دعاؤكم الآلهة معه.
وحكى ابن جني: أن ابن عباس قرأ كقراءة ابن الزبير.