أما الدليل الامكانيّ المشار إليه بقوله تعالى: (وَالله الْغَنِيُّ وَاَنْتُمُ الفُقَرَاءُ) فاعلم! أن كل واحدة من ذَرات الكائنات باعتبار ذاتها ، وباعتبار فردٍ فردٍ من صفاتها ، وباعتبار واحدٍ واحدٍ من أحوالها ، وباعتبار جهةٍ جهةٍ من وجوهها ؛ بينما تراها تتردد بين الامكانات الغير المتناهية فِي الذات والصفات والأحوال والوجود ، إذاً انتعشت وقامت وسلكت طريقاً معيناً منها ولبست صفة مخصوصة ، وتكيفت بحالة منتظمة ، وركبت على قانون مسدَّد ، وتوجهت إلى مقصد معيّن ، فأنتجت حكمةً ومصلحةً لا تحصلان إلا بذلك الطرز المعين.. أفلا تنادي بلسانها المخصوص ، وتصرّح بقصد صانعها وحكمته ؟ فكما أن كل ذرة بنفسها دليل على الانفراد ؛ كذلك تتزايد دلالتها باعتبار كونها جزءاً من مركبات متداخلة متصاعدة ؛ إذ لها فِي كل مركب مقام.. وفي كل مقام لها نسبة.. وفي كل نسبة لها وظيفة.. وفي كل وظيفة تثمر مصالح.. وفي كل مرتبة تتلو بلسانها دلائل وجوب وجود صانعها.. مثلها كمثل جنديّ فِي"طاقمه وطابوره وفرقته الخ".
ولنشرع فِي نظم هذه الآية باعتبار نظم مجموعها بما قبلها ، ثم نظم جملها بعض مع بعض ، ثم نظم هيئات كل جملة جملة.
أما نظم المجموع بما قبله: