ثم أمرهم بما هو سنام الدين وأعظم أعماله ، فقال: {وجاهدوا فِي الله} أي في ذاته ومن أجله ، والمراد به الجهاد الأكبر ، وهو الغزو للكفار ومدافعتهم إذا غزوا بلاد المسلمين ، وقيل: المراد بالجهاد هنا: امتثال ما أمرهم الله به في الآية المتقدّمة ، أو امتثال جميع ما أمر به ونهى عنه على العموم ، ومعنى {حَقَّ جهاده} : المبالغة في الأمر بهذا الجهاد ؛ لأنه أضاف الحق إلى الجهاد ، والأصل إضافة الجهاد إلى الحق ، أي جهاداً خالصاً لله ، فعكس ذلك لقصد المبالغة ، وأضاف الجهاد إلى الضمير اتساعاً ، أو لاختصاصه به سبحانه من حيث كونه مفعولاً له ومن أجله.
وقيل: المراد {بحق جهاده} : هو أن لا تخافوا في الله لومة لائم.
وقيل: المراد به استفراغ ما في وسعهم في إحياء دين الله.
وقال مقاتل والكلبي: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: {فاتقوا الله مَا استطعتم} [التغابن: 16] .
كما أن قوله: {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] منسوخ بذلك ، ورد ذلك بأن التكليف مشروط بالقدرة ، فلا حاجة إلى المصير إلى النسخ.
ثم عظم سبحانه شأن المكلفين بقوله: {هُوَ اجتباكم} أي اختاركم لدينه ، وفيه تشريف لهم عظيم.
ثم لما كان في التكليف مشقة على النفس في بعض الحالات قال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ} أي من ضيق وشدّة.
وقد اختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله ، فقيل: هو ما أحله الله من النساء مثنى وثلاث ورباع وملك اليمين.
وقيل: المراد: قصر الصلاة ، والإفطار للمسافر ، والصلاة بالإيماء على من لا يقدر على غيره ، وإسقاط الجهاد عن الأعرج والأعمى والمريض ، واغتفار الخطأ في تقديم الصيام وتأخيره لاختلاف الأهلة ، وكذا في الفطر والأضحى.