ومسألة الموازين هذه من المسائل التي وجد فيها المستشرقون تعارضاً في ظاهر الآيات ، فجعلوا منها مَأخَذاً على كتاب الله ، من ذلك قولهم بالتناقض بين الآيتين: {وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة ...} [الأنبياء: 47] وقوله تعالى: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً} [الكهف: 105] حيث أثبت الميزان في الأولى ، ونفاه في الثانية .
وقلنا: إن هؤلاء معذورون ؛ لأنهم لا يملكون الملكَة اللغوية التي تمكِّنهم من فَهْم كلام الله . ولو تأملنا اللام في {نُقِيمُ لَهُمْ ...} [الكهف: 105] لا نحلَّ هذا الإشكال ، فاللام للملك والانتفاع ، كما يقولون في لغة البنوك: له وعليه . والقرآن يقول: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ...} [البقرة: 286] .
فالمعنى: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً} [الكهف: 105] أي: وزناً في صالحهم ، إنما نقيم عليهم وندينهم . كذلك نجد أن كلمة الوزن تُستعمل في اللغة إمَّا لوزن الماديّ ، أو لوزن المعنى ، كما نقول: فلان لا وَزْنَ له في الرجال .
وعلى هذا يكون المعنى: أنهم لا وَزْنَ لذواتهم ومادتهم ، إنما الوزن لأعمالهم ، فلا نقول: كان من الأعيان ، كان أصله كذا وكذا ، وهذه المسألة واضحة في قصة ابن نوح عليه السلام: {قَالَ يا نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ...} [هود: 46] .
فالنبوة هنا بُنوّة عمل وإيمان ، لا بُنوة ذات .