والنفحة: اسم مرَّة أي: تدل على حدوثها مرة واحدة ، كما تقول: جلس جَلسة أي: مرة واحدة ، وهذا أيضاً دليل على التقليل . (فمسَّتْهُمْ) تقليل و (نَفْحَة) تقليل ، وكونها مرة واحدة تقليل آخر ، ومع ذلك يضجُّون ويجأرون ، فما بالك إنْ نزل بهم العذاب على حقيقته ، وهو عذاب أبديّ؟!
وقوله تعالى: {لَيَقُولُنَّ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 46] الآن ينطقون ، الآن يقولون كلمة الحق التي طالما كتموها ، الآن ظهرتْ حساسية الإدراك لديهم ، فمن أقلِّ القليل ومن رائحة العذاب يجأؤون ، وأين كان هذا الإدراك ، وهذه الحساسية من قبل؟ إذن: المسألة - كما قلنا - ليست طبيعة تكوين ، إنما توجيه إدراكات .
وقولهم: {ياويلنآ ...} [الأنبياء: 46] إحساس بما هم مُقبلون عليه ، وهذا القول صادر عن مواجيد في النفس وفي الذِّهْن قبل أن ينطق بالكلمة ، ثم يُقرُّون على أنفسهم ويعترفون: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 46] . {وَنَضَعُ الموازين ...} .
نقلهم الحق سبحانه من إنكار وتكذيب وتسفيه كلام الرسول ، وعدم الإيمان بالوحي ، وصَمِّ آذانهم عن الخير إلى مسألة الحساب والميزان القسط ، فلماذا هذه النَّقْلة؟ ليُنبههم ويلفت أنظارهم إلى أن هذا الكلام الذي قابلتموه بالتكذيب والتشكيك كان لمصلحتكم ، وأن كل شيء محسوب ، وسوف يُوزَن عليكم ويُحْصَى ، وكأنه ينصحهم ، فما تزال رحمانية الله بهم وحِرْصه على نجاتكم .
وكلمة (موازين) جمع: ميزان ، وهو آلة نُقدِّر بها الأشياء من حيث كثافتها ، لأن التقدير يقع على عدة أشياء: على الكثافة بالوزن ، وعلى المسافات بالقياس . . الخ ، وقد جعلوا لهذه المعايير ثوابت ، فمثلاً: المتر صنعوه من البلاتين حتى لا يتآكل ، وهو موضوع الآن - تقريباً - في باريس ، وكذلك الياردة . وجعلوا للوزن معايير من الحديد: الكيلو والرطل . . إلخ .