(وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ من قَبْلِكَ الْخُلْدَ) وإن كونك بشرا يقتضي أن تموت وتبعث ككل البشر، فما قدرنا لبشر من قبلك الخلد والبقاء، والجعل هنا التقدير، أي ما جعلنا الخلد لأحد قبلك من آدم إلى عصرك، ولست بدعا من بين البشر، وإذا كانوا يتمنون موتك، فليعلموا أنهم أيضا ميتون، ولا يعلم إلا الله تعالى، من يموت قبلا؛ ولذا قال تعالى: (أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) "الفاء"لترتيب ما بعدها مع قبلها، أي إذا كنت ستموت لَا محالة فهل هم خالدون؛ فالاستفهام الذي في حيزه الفاء مترتب على نفي الخلود عنه - صلى الله عليه وسلم -، والاستفهام داخل على مضمون الشرطية، وهو استفهام
إنكاري فيه نفي الوقوع، والجملة الشرطية محطها الجواب، والمعنى إن مت لا يخلدون بل ينتهون أيضا، فلا يصح أن يتمنوا موتك، ولا يصح أن تشمتوا فالموت حق على كل نفس؛ ولذا قال تعالى مؤكدًا موتهم وموته - صلى الله عليه وسلم:
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ(35)
هذا تكميل لبيان مساواتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في عدم الخلود، ثم ذكر ذلك في قضية ماسة كلية لَا استثناء فيها؛ لأن الموت يلازم البشرية؛ لأنه ما من حي من أحياء الأرض إلا له انتهاء وذكر (كُلُّ نَفْسٍ) ولم يذكر كل إنسان، أو كل البشر؛ لأن النفس هي التي تذوق مرارة فراق الجسد، فالموت ينصب عليها ابتداء، وقوله: (ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) عبر عن الفراق بالذوق كان الموت شيء يذاق، وفيه تشبيه الموت بالذوق لأن كليهما يعتريه ألم ومرارة (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَةً) أي نعاملكم معاملة المختبر؛ بأن نمكنكم من الشر لتفعلوه أو تتجنبوه، ومن الخير لتفعلوه، وقدم الشر على الخير، لأن الاختبار بالشر أشد في ذاته، وإن يبدُ أخذه حلوا ولكنه مرى، ولأن أكثر الناس يستجيبون لداعي الشر بإغراء إبليس، وإسناد البلاء إلى الله تعالى لأنه هو الذي يمكنهم ويسهل لهم النجدين نجد الخير ونجد الشر، فقد قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) .