فقال: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم ، وإِنما ننتظر فضل حياضهم فنسقي ، فسقى لهما موسى فجعل يغدق في الدلو ماء كثيراً حتى لو كان أول الرعاة فراغاً ، فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما ، وانصرف موسى إلى شجرة فاستظل بها.
فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حُفلاً بطاناً فقال: إن لكما لشأناً اليوم.
فحدثاه بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوه ، فأتته فدعته.
فلما دخل على شعيب فأخبره بالقصة قال: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين} [القصص: 25] ، أي: ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان ولسنا في مملكته.
وقوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوى الأمين} [القصص: 26] فاحتملته الغيرة وقال: وما يدريك ما أمانته وقوته ، فقالت: أما قوته لما سقى لنا لم أر رجلاً قط أقوى منه في ذلك السقي ؛ وأما أمانته فإنه ما نظرني حين أقبلت إِليه صَوَّبَ رأسه ولم يرفعه ، ولم ينظر إلي حين بلغته رسالتك فقال لي: امشي خلفي وانعتي إلي الطريق ، يعني: صفي ودليني على الطريق ، فسري عن أبيها فقال له: {قَالَ إنى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ على أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصالحين} [القصص: 27] .