قوله عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} الاستفهام بمعنى التقرير، أي: قد أتاك، وقيل: هو بمعنى النفي، أي: لم يأتك، ثم أخبره به. فقال: {إِذْ رَأَى نَارًا} و (إذ) يجوز أن يكون ظرفًا للحديث, لأنَّ معناه: قد أتاك صنيع موسى إذ قال، وأن يكون ظرفًا لمضمر دل عليه قوله: {فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} . وأن يكون مفعولًا به على معنى: اذكر إذ قال، ولا يجوز أن يكون ظرفًا لـ {أَتَاكَ} كما زعم بعضهم, لأن الإتيان لم يكن في ذلك الوقت.
وقوله: {لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} أي: أقيموا في مكانكم، والمكث: اللبث.
{إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} الإِيناس: إبصار الشيء الذي يُسكن إليه من بعيد. وقيل: هو الإبصار البيّن الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين - وهو المثال الذي يُرى في السواد - لأنه يتبين به الشيء، والإنس لظهورهم، كما قيل الجن لاستتارهم.
وقوله: {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ} (منها) يجوز أن يكون من صلة {آتِيكُمْ} ، وأن يكون في موضع الحال من (قبس) وهو في الأصل صفة له. و (القبس) : الشعلة من النار في طرف عود أو فتيلة.
وقوله: {أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} أي: قومًا ذوي هدى، يهدونني إلى الطريق, لأن النار لا تخلو من أَهْلٍ لها، وناسٍ عندها.
قيل: ومعنى الاستعلاء على النار: أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها، كما قال سيبويه في مررت يزيد: إنه لصوق بمكان يقرب من زيد، ولأن المصطلين بها والمستمتعين إذا تكنفوها قيامًا وقعودًا كانوا مشرفين عليها.
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) } :
قوله عز وجل: {نُودِيَ} في القائم مقام الفاعل وجهان:
أحدهما: مضمر وهو موسى - عليه السلام - لِجَرْيِ ذِكْرِهِ.
والثاني: هو المصدر، أي: نودي النداء، وقوله: {يَامُوسَى} كالمفسر له، ولا يجوز أن يكون قوله: {يَامُوسَى} هو القائم مقام الفاعل أو {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} , لأنه جملة، والقائم مقام الفاعل كالفاعل، والفاعل لا يكون جملة.