وقوله: {إِنِّي} قرئ: بالكسر على إرادة القول، أي: نودي فقيل: يا موسى، أو لأنَّ النداء نوع من القول فجرى مجراه. وقرئ: بالفتح، على
معنى: نودي بأنِّي، ونادى قد يوصل بحرف الجر، قال:
429 -نَادَيْتُ باسْمِ رَبِيعَةَ بنِ مُكَدّمٍ ... . . . . . . . . . . . .
وقوله: {أَنَا رَبُّكَ} (أنا) يجوز أن يكون فصلًا، وأن يكون مبتدأ، وأن يكون توكيدًا لاسم (إنَّ) وهو الياء، وهو الوجه لما فيه من تحقيق المعرفة وإماطة الشبهة، على ما روي: أنه نودي يا موسى، قال: من المتكلم؟ فقال عز من قائل: (أنا ربك) فوسوس إليه إبليس: لعلك تسمع كلام شيطان، فقال: أنا عرفت أنه كلام الله، بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي.
وقوله عز وجل: {إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} قرئ: (طُوى) بضم الطاء منونًا وغير منون، وبكسرها مصروفًا وغير مصروف وهو اسم علم للوادي، وضم الطاء وكسرها لغتان، فالضم كحُطَمٍ وَصُرَدٍ، والكسر كضِلعٍ ومِعىً في الأسماء، وسِوىً وعِدىً في الصفات.
فإذا فهم هذا، فمن نونه جعله اسمًا للوادي وهو بدل منه، ولك أن
ترفعه على إضمار هو، ومن لم ينونه جعله اسمًا لبقعة أو أرض، وهو مذكر، فهو بمنزلة امرأة سميتها بحجر.
وقيل: هو معدول كعمر، وإن لم يعرف لفظ المعدول عنه، فكأن أصله طاوٍ، ألا ترى أن جُمَع وكُتَع معدولتان وإن لم يستعمل لفظ المعدول عنهما.
وقيل: طُوى مصدر كهدىً، من قولك: طَوَيْتُ المكان طُوىً، على معنى: أن موسى - عليه السلام - طواه بالليل إذ مر به، كأنه قيل: إنك بالوادي الذي طويته طوى، على معنى: تجاوزته فطويته بسيرك، فهو مصدر سمي به، أي: مطوي.
وقيل: هو مصدر سمي به على معنى أنه مطوي على البركة.
وقيل: معناه مرتين، كأن موسى - عليه السلام - نودي مرتين نداءين.
وقيل: قدس مرتين، يعني الوادي، أي: طهر، وأنشد:
430 -أَعَاذِلَ إنَّ اللوْمَ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ ... عَلَيَّ طِوًى مِنْ غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) :