وهذا منهج في الدعوة واضح وثابت ، كما في قوله تعالى: {ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل: 125] .
لأنك تخلعه مما اعتاد وألف ، وتُخرجه عَمَّا أحبَّ من حرية واستهتار في الشهوات والملذات ، ثم تُقيِّده بالمنهج ، فليكُنْ ذلك برفق ولُطْف .
وهذه سياسة يستخدمها البشر الآن في مجال الدواء ، فبعد أن كان الدواء مُرّاً يعافُه المرضى ، توصلوا الآن إلى برشمة الدواء المر وتغليفه بطبقة حلوة المذاق حتى تتم علمية البَلْع ، ويتجاوز الدواء منطقة المذاق .
وكذلك الحال في مرارة الحق والنصيحة ، عليك أنْ تُغلِّفها بالقول اللين اللطيف .
وقوله: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى} [طه: 44] لعل: رجاء ، فكيف يقول الحق تبارك وتعالى: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى} [طه: 44] وفي عِلْمه تعالى أنه لن يتذكَّر ولن يخشى ، وسيموت كافراً غريقاً؟
قالوا: لأن الحق سبحانه يريد لموسى أن يدخل على فرعون دخول الواثق من أنه سيهتدي ، لا دخولَ اليائس من هدايته ، لتكون لديه الطاقة الكافية لمناقشته وعَرْض الحجج عليه ، أمّا لو دخل وهو يعلم هذه النتيجة لكان محبطاً لا يرى من كلامه فائدة ، كما يقولون (ضربوا الأعور على عينه قال خسرانه خسرانه) .
فالحق سبحانه يعلم ما سيكون من أمر فرعون ، لكنْ يريد أنْ يقيمَ الحجة عليه {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل} [النساء: 165] .
وقوله: {يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى} [طه: 44] كأن الإنسان إذا ما ترك شراسة تفكيره ، وغُمة شهواته في نفسه ، لا بُدَّ أنْ يهتدي بفطرته إلى وجود الله أو (يتذكر) عالم الذَّر ، والعهد الذي أخذه الله عليه يوم أنْ قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ} [الأعراف: 172] .