وفيه تعريض لغيرهم بتوبيخ خزنة النار المتضمن لوعيدهم بعذابها لأن المقام للترغيب فيما هو حسن العاقبة وهو تصديق الرسل عليهم السلام والتنفير عن خلافه فلو جعل السلام بمعنى السلامة لم يفد أن ذلك في العاقبة.
فما قيل: إنه لا إشعار في اللفظ بهذا التخصيص غير مسلم ، والقول بأنه ليس بتحية حيث لم يكن في ابتداء اللقاء يرده أنه لم يجعل تحية الأخوين عليهما السلام بل تحية الملائكة عليهم السلام ، وأنت تعلم أن هذا التفسير خلاف الظاهر جداً وإنكار ذلك مكابرة.
وفي"البحر"هو تفسير غريب وأنه إذا أريد من العذاب العذاب في الدارين ، ومن السلام السلامة من ذلك العذاب حصل الترغيب في التصديق والتنفير عن خلافه على أتم وجه ، وقال أبو حيان: الظاهر أن قوله تعالى: {والسلام} [طه: 47] الخ فصل للكلام والسلام فيه بمعنى التحية ، وجاء ذلك على ما هو العادة من التسليم عند الفراغ من القول إلا أنهما عليهما السلام رغبا بذلك عن فرعون وخصابه متبعي الهدى ترغيباً له بالانتظام في سلكهم ، واستدل به على منع السلام على الكفار وإذا احتيج إليه في خطاب أو كتاب جئ بهذه الصيغة.
وفي"الصحيحين"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى"وأخرج عبد الرزاق في"المصنف"."
والبيهقي في"الشعب"عن قتادة قال: التسليم على أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم أن تقول: السلام على من اتبع الهدى ، ولا يخفى أن الاستظهار المذكور غير بعيد لو كان كلامهما عليهما السلام قد انقطع بهذا السلام لكنه لم ينقطع به بل قالا بعده {إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا} الخ ، وكأن هذه الجملة على جميع التفاسير استئناف للتعليل ، وقد يستدل به على صحة القول بالمفهوم فتأمل ، والظاهر أن كلتا الجملتين من جملة المقول الملقن.