قلت: ومنه حَفْر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق حول المدينة تحصيناً للمسلمين وأموالهم ، مع كونه من التوكل والثقة بربه بمحل لم يبلغه أحد ؛ ثم كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم ، مرة إلى الحبشة ، ومرة إلى المدينة ؛ تخوفاً على أنفسهم من مشركي مكة ؛ وهرباً بدينهم أن يفتنوهم عنه بتعذيبهم.
وقد قالت أسماء بنت عميس لعمر لما قال لها سبقناكم بالهجرة ، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم: كذبت يا عمر ؛ كلاّ والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يُطعِم جائعَكم ، ويَعظ جاهلَكم ، وكنا في دار أو أرض البُعداء البُغضاء في الحبشة ؛ وذلك في الله وفي رسوله ؛ وأيمُ اللَّهِ لا أَطْعَم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلتَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن كنا نُؤذَى ونُخاف.
الحديث بطوله خرجه مسلم.
قال العلماء: فالمخبر عن نفسه بخلاف ما طبع الله نفوس بني آدم (عليه) كاذب ؛ وقد طبعهم على الهرب مما يضرها ويؤلمها أو يتلفها.
قالوا: ولا ضار أضرّ من سبع عادٍ في فلاة من الأرض على من لا آلة معه يدفعه بها عن نفسه ، من سيف أو رمح أو نبل أو قوس وما أشبه ذلك.
الثانية: قوله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَآ} يريد بالنصر والمعونة والقدرة على فرعون.
وهذا كما تقول: الأمير مع فلان إذا أردت أنه يحميه.
وقوله: {أَسْمَعُ وأرى} عبارة عن الإدراك الذي لا تخفى معه خافية ، تبارك الله رب العالمين.
قوله تعالى: {فَأْتِيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ}
في الكلام حذف ، والمعنى: فأتياه فقالا له ذلك.
{فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ} أي خَلِّ عنهم.
{وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} أي بالسّخرة والتعب في العمل ، وكان بنو إسرائيل عند فرعون في عذاب شديد ؛ يذبّح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، ويكلّفهم من العمل في الطّين واللَّبِن وبناء المدائن ما لا يطيقونه.