وكذلك ألاَّ يغيب عنه شيء يمكن أنْ يُستدرك فيما بعد ، وهذه الشروط لا توجد إلا في التشريع الإلهي ، فله سبحانه صفات الكمال قبل أن يخلق الخَلْق .
لذلك قال بعدها: {فاعبدني} [طه: 14] بطاعة أوامري واجتناب نواهيَّ ، فليس لي هَوَى فيما آمرك به ، إنما هي مصلحتك وسلامتك .
ومعنى العبادة: الناس يظنون أنها الصلاة والزكاة والصوم والحج ، إنما للعبادة معنى أوسع من ذلك بكثير ، فكلُّ حركة في الحياة تؤدي إلى العبادة ، فهي عبادة كما نقول في القاعدة: كُلُّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب .
فالصلاة مثلاً لا تتم إلا بستْر العورة ، وعليك أنْ تتأمل قطعة القماش هذه التي تستر بها عورتك: كم يد ساهمتْ فيها منذ كانتْ بذرة في الأرض ، إلى أنْ أصبحتْ قماشاً رقيقاً يستر عورتك؟ فكلُّ واحد من هؤلاء كان في عبادة وهو يُؤدِّي مهمته في هذه المسألة .
كذلك رغيف العيش الذي تأكله ، صنبور المياه الذي تتوضأ منه ، كم وراءها من أيادٍ وعمال ومصانع وعلماء وإمكانات جُنِّدَتْ لخدمتك ، لتتمكن من أداء حركتك في الحياة؟
لذلك ، فالحق تبارك وتعالى حينما يُحدِّثنا عن الصلاة يوم الجمعة يقول: {يا أَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله} [الجمعة: 910] .
وهكذا أخرجنا إلى الصلاة من عمل ، وبعد الصلاة أمرنا بالعمل والسعي والانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله ، فمخالفة الأمر في: {فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] كمخالفة الأمر في: {فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله} [الجمعة: 10] .