في الآية قبل السابقة خاطبه ربه: {إني أَنَاْ رَبُّكَ} [طه: 12] ليُطمئنه ويُؤنسه بأنه المربِّي العطوف ، يعطي حتى للكافر الذي يعصاه ، لكن هنا يخاطبه بقوله: {إنني أَنَا الله} [طه: 14] أي: صاحب التكاليف ، والمعبود المطاع في الأمر والنهي ، وأوّل هذه التكاليف وقمّتها ، والينبوع الذي يصدر عنه كل السلوك الإيماني: {إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ} [طه: 14] .
لذلك قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:"خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله".
وما دام لا إله إلا هو فلا يصح أنْ نتلقَّى الأمر والنهي إلاَّ منه ، ولا نعتمد إلا عليه ، ولا يشغل قلوبنا غيره ، وهو سبحانه يريد منا أنْ نكون وكلاء: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ} [الفرقان: 58] .
فالناصح الفطن الذي لا يتوكل على أحد غير الله ، فربما توكّلت على أحد غيره ، فأصبحت فلم تجده ، وصدق الشاعر حين قال:
اجْعَلْ بربِّكَ كُلَّ عِزِّكَ ... يسْتقِرُّ وَيثبتُ
فَإِذَا اعْتَززْتَ بمَنْ يموتُ ... فإنَّ عِزَّكَ ميِّتُ
فكأن الحق سبحانه في قوله: {لا إله إلا أَنَاْ} [طه: 14] يقول لموسى: لا تخفْ ، فلن تتلقى أوامر من غيري ، كما قال سبحانه في أية أخرى: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً} [الإسراء: 42] .
أي: لذهبَ هؤلاء الذي يدَّعُون الألوهية إلى الله يجادلونه أو يتودَّدون إليه ، ولم يحدث شيء من هذا .
ويشترط فيمن يُعطي الأوامر ويُشرِّع ويُقنِّن ألاَّ ينتفع بشيء من ذلك ، وأن تكون أوامره ونواهيه لمصلحة المأمورين ، ومن هنا يختلف قانون الله عن قانون البشر الذي يدخله الهوى وتخالطه المصالح والأغراض ، فمثلاً إنْ كان المشرِّع والمقنِّن من العمال انحاز لهم ورفعهم فوق الرأسماليين ، وإن كان من هؤلاء رفعهم فوق العمال .