وكيف يُحَسُّ الحق تبارك وتعالى ومن خَلْقه وصَنْعته مَا لا يُحَسُّ ، كالروح مثلاً؟ فنحن لا نعلم كُنْهها ، ولا أين هي ، ولا نُحِسّها بأيّ حاسّة من حواسنا ، فإذا كانت الروح المخلوقة لم نستطع أنْ ندركها ، فكيف ندرك خالقها؟
الحق الذي يدَّعيه الناس ويتمسَّحون فيه ، ويفخر كل منهم أنه يقول كلمة الحق ، وكذلك العدل وغيرها من المعاني: أتدركها ، أتعرف لها شكلاً؟ فكيف إذن تطمع في أنْ تدرك الخالق عز وجل؟
إذن: من عظمته سبحانه أنه لا تدركه الحواس ، ولا يلتقي بالخَلْق لقاءً مباشراً ، فالمصطفى من الملائكة يأخذ عن الله ، ويعطي للمصطفى من الخَلْق ، ثم المصطفى من الخَلْق يعطي للخَلْق ، ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم يجهد ، ويتصبَّب جبينه عَرَقاً في أول الوحي؟
ولذلك شاء الحق سبحانه أنْ يحجبَ الوحي عن رسوله فترة ليستريح من مباشرة المَلِك له ، وبانقطاع الوحي تبقى لرسول الله حلاوة ما أوحي إليه ويتشوّق إلى الوحي من جديد ، فيهون عليه ما يلاقي في سبيله من مشقة ؛ لأن انشغال القلب بالشيء يُنسي متاعبه؟ .
وقد رُوي أنه صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي يُسمَع حوله دَوِيٌّ كدَويِّ النحل ، ولو صادف أن رسول الله وضع رجله على أحد أصحابه حين نزول الوحي عليه فكان الصحابي يشعر كأنها جبل ، وإن نزل الوحي وهو على دابة كانت تنخ وتئن من ثِقَله .
وقد مثّلنا للواسطة بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية بالتيار الكهربائي حين نُوصِّله بمصباح صغير لا يتحمل قوة التيار ، فيضعون له جهازاً ينظم التيار ، ويعطي للمصباح على قَدْر حاجته وإلاّ يحترق .
ثم يقول الحق سبحانه: {إنني أَنَا الله}