والمتأمل في الموقف الذي يعيشه الآن موسى وامرأته وولده الصغير وخادمه في هذا المكان المنقطع وقد أكفهرَّ عليهم الجو ، يجد اختلاف السياق هنا أمراً طبيعياً ، فكلُّ منهم يستقبل الخبر من موسى بشكل خاص ، فلما رأى النار وأخبرهم بها أراد أنْ يُطمئنهم فقال: {سَآتِيكُمْ} [النمل: 7] فلما رآهم مُتعلِّقين به يقولون: لا تتركنا في هذا المكان قال: {امكثوا} [طه: 10] وربما قال هذه لزوجه وولده وقال هذه لخادمه . فلا بُدَّ أنهم راجعوه . فاختلفت الأقوال حول الموقف الواحد .
كذلك في قوله: قَبَسٍ أو جَذْوةٍ لأنه حين قال: {لعلي آتِيكُمْ} [طه: 10] يرجو أن يجد هناك القبس ، لكن لعله يذهب فيجد النار جَذْوة . وفي مرة أخرى يجزم فيقول: {سَآتِيكُمْ} [النمل: 7] .
إذن: هي لقطات مختلفة تُكوِّن نسيج القصة الكاملة ، وتعددتْ الكلمات لأن الموقف قابلٌ للمراجعة ، ولا ينتهي بكلمة واحدة .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ}
يقال: إن موسى عليه السلام لما أتاها وجد نوراً يتلألأ في شجرة ، لكن لا خضرةُ الشجرة تؤثر في النور فتبهته ، ولا النورُ يطغي على خضرة الشجرة فيمنع عنها الخضرة ، فهي إذن مسألة عجيبة لا يقدر عليها إلا الله .
فكانت هذه النار هي أول الإيناس لموسى في هذا المكان الموحِش ، وكأن هذا المنظر العجيب الذي رآه إعداد إلهي لموسى حتى يتلقَّى عن ربه ، فليستْ المسألة مجرد منظر طبيعي .
وقوله تعالى: {نُودِيَ يا موسى} [طه: 11] أي: في هذه الدهشة {نُودِيَ} [طه: 11] فالذي يناديه يعرفه تماماً ؛ لذلك ناداه باسمه {يا موسى} [طه: 11] وما دام الأمر كذلك فطَمع الخير فيه موجود ، وبدأ موسى يطمئن إلى مصدر النداء ، ويأنَسُ به ، ويبحث عن مصدر هذا الصوت ، ولا يعرف من أين هو ؛ لذلك اعتبرها مسألة عجيبة مثل منظر الشجرة التي ينبعث منها النور .
{إني أَنَاْ رَبُّكَ فاخلع نَعْلَيْكَ}