{قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى} (84) [طه: 84] يستفاد منه أن الأمر للفور؛ لأن موسى كان مأمورا بالسعي لميقات ربه، ثم إنه علل عجلته برضى ربه، وجعلها سببا له، وإذا كانت الفورية في امتثال الأمر سببا للرضى، كان التراخي سببا للغضب عملا بموجب قياس العكس، وغضب الله - عز وجل - واجب الاجتناب، ورضاه واجب التحصيل، وسببه فورية الامتثال، وسبب الواجب واجب، ففورية الامتثال واجبة، وهو المطلوب.
{قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ} (85) [طه: 85] يحتج به الجمهور لإضافة الله - عز وجل - فتنتهم إلى نفسه، وربما أجيب بأن الفتنة هاهنا الاختبار لا الضلال، اختبرهم فلم يثبتوا على محك الامتحان.
{قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ} (85) [طه: 85] يحتج به المعتزلة لإضافة الضلال/ [136 أ/م] إلى السامري، ويجاب عنه بأنه أضيف إليه باعتبار التسبب والكسب، وقد سبق في «الأعراف» أن موسى قال: «يا رب هذا السامري صاغ العجل فمن أنطقه؟» قال: أنا، قال: فما فتن قومي إلا أنت {إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ} [الأعراف: 155] ، قال: أحسنت يا حكيم الحكماء.
جمعا كثيرا من بني إسرائيل أدركوا بفطرتهم أن هذا هو الإله وهم كانوا أهل التحقيق والمعرفة منهم.
وأجيب بأن قبل هذا وبعده ما يقطع ببطلانه، وهو قوله - عز وجل - {قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ} (85) [طه: 85] فجعل ذلك فتنة ضلالا، وهو قول هارون لهم {وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} (90) [طه: 90] وانتظم الدليل هكذا: الرحمن ربكم، والعجل ليس بربكم، ينتج أن الرحمن ليس هو العجل، وأن العجل ليس هو الرحمن، ولو صح ما زعمه الاتحادية لكان عبدة العجل المتوعدون بالغضب والذلة أعرف بالله - عز وجل - من موسى وهارون، وأنه محال.