{أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً} (89) [طه:
89]يستدل به الصوفية على أن الله - عز وجل - متكلم بحرف وصوت؛ لأن دل/ [289/ل] من باب قياس العكس على أن الله - عز وجل - متصف بأنه يرجع إليهم القول لو شاء، وحقيقة ذلك المتعارفة المتبادر إليها الفهم هو القول بحرف وصوت، وأجاب الخصم بأن حاصل هذا أنه استدلال بالمفهوم، وهو ضعيف وإنما سلب النطق والكلام عن العجل، وذلك لا يقتضي إثباته لله - عز وجل - إلا بطريق المفهوم، ودل على التوحيد بنفي الضر والنفع، عن غير الله - عز وجل - ونظمه هكذا: الإله يملك الضر والنفع، والعجل غيره لا يملك الضر والنفع، فالإله ليس هو العجل، فالعجل ليس هو الإله.
{وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} (90) [طه: 90] فيه أن الطاعة موافقة الأمر {أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} (93) [طه: 93] يفيد أن المعصية مخالفة الأمر لا الإرادة، خلافا لما يحكى عن المعتزلة.
وفيه أيضا أن الأمر على الوجوب والفور، أما الأولى فلعقاب موسى لهارون بالأخذ بلحيته ورأسه على مخالفة أمره. وأما الثاني: فلقوله: {قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} (93) [طه: 92، 93] وإذ وقتية أي: ما منعك حين أو وقت ضلالهم من اتباعي لتخبرني، أو من سلوك طريقي فيهم بالردع والمنع
والجهاد، فعاقبه على تأخير اتباعه عن وقت ضلالهم/ [136 ب/م] ، وأخبر أنه بذلك عصى أمره.
{قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} (94) [طه: 94] فيه جواز التصرف في الأحكام والسياسات بحسن رعاية المصالح؛ لأن هارون حصل أعلى المصلحتين عنده، وهو جمع بني إسرائيل وتأليفهم، ودفع أعظم المفسدين، وهو التفريق بينهم، وإن استلزم ذلك مخالفة أمر أو ارتكاب نهي، وأن المتصرف بحسب المصلحة مؤديا للنصيحة معذور، وأشار هارون بقوله: