وإنما قال: {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ} فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا .. قبل الله توبتهم؛ لأنه هو التواب الرحيم، فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود، وفي هذا الوعظ شفقة على نفسه وعلى الخلق، أما على نفسه: فإنه كان مأمورًا من عند الله بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومن عند أخيه بقوله: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} فلو لم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر .. لخالف أمر الله وأمر موسى، وإنه لا يجوز.
{فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) }
فإن قلت: إذا نُفيت عنهم الذنوب والمعاصي .. فما معنى قوله: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم، وتوبتهم واستغفارهم، وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم، وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه؟
قلت: إن درجة الأنبياء في الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده، وعظيم سلطانه، وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله، والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤخذ به غيرهم، وأنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها، ولم يؤمروا بها، وأتوها على وجه التأويل أو السهو، خائفون وجلون، وهي الذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم، ومعاصٍ بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم، وكان هذا أدنى أفعالهم، وأسوأ ما يجري من أحوالهم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ أي: يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات، وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه، إن شاء الله تعالى. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري} ...