عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} يَقُولُ: أَنْفَاسَهُمُ الَّتِي يَتَنَفَّسُونَ فِي الدُّنْيَا، فَهِيَ مَعْدُودَةٌ كَسِنِّهِمْ وَآجَالِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَوْمَ نَجْمَعُ الَّذِينَ اتَّقَوْا فِي الدُّنْيَا فَخَافُوا عِقَابَهُ، فَاجْتَنَبُوا لِذَلِكَ مَعَاصِيَهُ، وَأَدَّوْا فَرَائِضَهُ إِلَى رَبِّهِمْ {وَفْدًا}
يَعْنِي بِالْوَفْدِ: الرُّكْبَانَ. يُقَالُ: وَفَدْتُ عَلَى فُلَانٍ: إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْهِ، وَأَوْفَدَ الْقَوْمُ وَفْدًا عَلَى أَمِيرِهِمْ، إِذَا بَعَثُوا مَنْ قِبَلَهُمْ بَعْثًا.
وَالْوَفْدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ، وَلَكِنَّهُ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ مَصْدَرُ وَاحِدِهِمْ وَافِدٌ، وَقَدْ يُجْمَعُ الْوَفْدُ: الْوُفُودَ، كَمَا قَالَ بَعْضُ بَنِي حَنِيفَةَ:
[البحر الكامل]
إِنِّي لَمُمْتَدِحٌ فَمَا هُوَ صَانِعٌ ... رَأْسُ الْوُفُودِ مُزَاحِمُ بْنُ جِسَاسِ
وَقَدْ يَكُونُ الْوُفُودُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جَمْعُ وَافِدٍ، كَمَا الْجُلُوسُ جَمْعُ جَالِسٍ.
عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا يُحْشَرُ الْوَفْدُ عَلَى أَرْجُلِهِمْ، وَلَا يُسَاقُونَ سَوْقًا، وَلَكِنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ بِنُوقٍ لَمْ يَرَ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا، عَلَيْهَا رِحَالُ الذَّهَبِ، وَأَزِمَّتُهَا الزَّبَرْجَدُ، فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْرِبُوا أَبْوَابَ الْجَنَّةِ.
[عن] عَمْرُو بْن قَيْسٍ الْمُلَائِيّ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ أَحْسَنُ صُورَةً، وَأَطْيَبُهَا رِيحًا، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: لَا إِلَّا أَنَّ اللَّهَ طَيَّبَ رِيحَكَ وَحَسَّنَ صُورَتَكَ، فَيَقُولُ: كَذَلِكَ كُنْتُ فِي الدُّنْيَا أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ طَالَمَا رَكِبْتُكَ فِي الدُّنْيَا، فَارْكَبْنِي أَنْتَ الْيَوْمَ، وَتَلَا: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا}
وَقَوْلُهُ: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَنَسُوقُ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إِلَى جَهَنَّمَ عِطَاشًا.
وَالْوِرْدُ: مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَرَدْتُ كَذَا أَرِدُهُ وِرْدًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ، وَقَدْ وُصِفَ بِهِ الْجَمْعُ.
عَنْ قَتَادَةَ: سُوقُوا إِلَيْهَا وَهُمْ ظِمَاءٌ عِطَاشٌ