فهو أن الإيمان عند العرب التصديق، وكل طاعة تصديق، لأن أحداً لا يطيع من لا يثبته، أو لا يثبت أمره ولا يعتد به، وإذا كانت الطاعة لا تقع إلا لأمر آمر علمنا أن فعل الطاعة تصديق بالأمر وللآمر، فكذلك قلنا أنه إيمان.
ووجه آخر: وهو أن الدوام على الإيمان إيمان، وهو منزلة بعد الانتقال عن الكفر، وإنما كان ذلك إيماناً لأنه طاعة، فكل طاعة فهو إيمان قياساً عليه.
ووجه آخر: وهو أن كل مستحق بفعله ثواب وبتركه عقاب، فهو إيمان قياساً على الإقرار والاعتقاد.
ووجه آخر: وهو أنه ما لا يلائم الكفر ولا يكون معه براً وقربة فهو إيمان كالإقرار.
ووجه آخر: وهو أن الله - عز وجل - وصف المؤمنين في كتابه فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} ، فلما أخبر عز وجل: أن المؤمنين هم الذين جمعوا هذه الأعمال، دل ذلك على أنها من جوامع الإيمان.
فإن قيل: هذا حجة عليكم! لأن الله جل وعز أثبت أن هؤلاء مؤمنون حقاً.
وأنتم تقولون: إن هؤلاء الموصوفين إن لم يحجوا، ولم يجاهدوا من غير وقوع الكفاية بغيرهم، أو دعي أحدهم إلى شهادة قد تحملها فأبى، أو جحد وديعة عنده، أو كذب، أو قتل، أو زنا، أو سرق، أو شرب خمراً، فليسوا المؤمنين حقاً، لأن إيمانهم إيمان ناقص، فالآية توجب أن يكونوا مؤمنين حقاً.
فهي إذا حجة عليكم!
فالجواب: أن هذه معارضة ساقطة عنا، لأن الآية فيمن إذا تليت عليه آيات الله زادته إيماناً، وليس المتخلف عن الفرائض، والقعود عن الواجبات اللوازم، من زيادة الإيمان بسبيل.
فالآية فيمن إذا ذكر الله وجل قلبه، وليس ارتكاب المعاصي ومخالفة الأوامر من أمارات الوجل.
فصح أن الذين بيننا: أن يكونوا مؤمنين حقاً أو حسبنا أن يكونوا ناقصي الإيمان، غير داخلين في الآية.