فالجواب: أن الاعتقاد يتوقف على الإقرار لأن المقدمه هو المعتقد، والذي يجري على اللسان من الإيمان هو الذي يخطر على القلب ويعقد عليه.
وإنما يفرق بين الأمرين الأدلة والوصف، فإن أحدهما يفعل باللسان، الآخر بالقلب.
وأحدهما يظهر والآخر لا يظهر.
وأما العمل نفسه، فإنه متفق غير مختلف ولا ممنوع فيوقف الاعتقاد على الإقرار للجمع بين ظاهر الإيمان وباطنه.
وأما سائر الأعمال، فإنها غير المعتقد بالقلب، والمعبر عنه باللسان، وكلها تنزل من الاعتقاد والإقرار منزلة الإمارات من الصحيح، لأن كل واحد بين الاعتقاد والإقرار صريح تصديق، ولا يمكن أن يكون فوقهما أشد صراحة منهما.
وأما الأعمال الأخر، فإنها إمارات التصديق يعني أنه إذا كان عاقلاً لا يخضع بالتقرب إلى من ينكر وجوده، ولا يتحمل الجهد والمشقة الغليظة في تكلف الأعمال وهو لا يثبته.
وإن كان يثبته لا يرى أنه موضع رغبة إليه أو رهبة منه، كانت إقامة العبادات المشروعة ممن يقيمها تصديقاً بصانعه، وثقة بوعده ووعيده، وتصديقاً لمن أدى إليه عنه، أنه مريد منه ما هو فاعله ومتعرف عليه.
فأما أن يكون ذلك صريح تصديق، فلا! فلم تجز إذا وجد الصريح منه أن يتوقف الحكم به على وجود ما هو إمارة.
لأن التوقف عن الحكم بأقوى الدلالتين إنتظاراً لوجود أضعفها، لا معنى له، والله أعلم.
ودل على ما قلنا: أن رجلاً لو أقر لرجل بمال ادعاه عليه، لأخذ بدفعه إليه ولم يتوقف الإقرار على الدفع حتى لا يكون صحيحاً إلا به إن كان الدفع - إذا وجد - تصديقاً للمدعي كما كان قوله باللسان تصديقاً.
وما ذاك إلا لأن القول صريح، والدفع إمارته.
فلم يجز أن يتوقف صحة الصريح على وجود الإمارة.
فكذلك هذا في الإيمان والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أن الاعتقاد والإقرار معاً إيمان بالله - عز وجل - ونزلا منزلة واحدة.
وأما الأعمال فإنها إيمان لله - عز وجل - ولرسوله - صلى الله عليه وسلّم - ، والإيمانان جميعاً واجبان، غير أنهما متغايران في الحد والحقيقة، فلم يتوقف أحدهما على الآخر لذلك، ولا تغاير بين الاعتقاد والإقرار في حقيقتهما، فاحتيج إلى وجودهما معاً ليقع به الجمع بين ظاهر الإيمان وباطنه والله أعلم.
فإن قيل: إن كانت الأعمال إيماناً لله عز وجل، فهل وجدتم في كتاب أو سنة إيجابهما بهذا الاسم؟ فإن كنتم لم تجدوه، فليس علينا أن نقبله منكم بلا برهان؟