وكذلك لا يعرف المتناهي في معرفة الشعر وحده، أو الغاية في معرفة الخطب، أو الرسائل وحدهما من غور هذا الشأن، ما يعرف من استكمل معرفة جميع تصاريف الخطاب، ووجوه الكلام، وطرق البراعة، فلا تكون الحجة قائمة على المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه؛ لعجز البارع في هذه العلوم كلها عنه.
3 -من كان متناهيًا في معرفة وجوه الخطاب، وطرق البلاغة، والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه ضرورة.
فأما من كان متناهيًا في معرفة وجوه الخطاب، وطرق البلاغة، والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه، وإن لم نقل ذلك أدى هذا القول إلى أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعرف إعجاز القرآن حين أوحى إليه حتى سبر الحال بعجز أهل اللسان عنه. وهذا خطأ من القول، فالبليغ الذي قد أحاط بمذاهب العربية وغرائب الصنعة؛ فإنه يعلم من نفسه ضرورة، عجزه عن الإتيان بمثله، ويعلم عجز غيره بمثل ما يعرف عجز نفسه، كما أنه إذا علم الواحد منا أنه لا يقدر على ذلك، فهو يعلم عجز غيره استدلالا.
4 -النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أوحي إليه القرآن؛ عرف كونه معجزًا.
فصحّ من هذا الوجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أوحى إليه القرآن عرف كونه معجزًا، أو عرف بأن قيل له: إنه دلالةٌ، وعلَمٌ على نبوتك؛ أنه كذلك من قبل أن يقرأه على غيره، أو يتحدى إليه سواه.
ولذلك قلنا: إن المتناهي في الفصاحة والعلم بالأساليب التي يقع فيها التفاصح، متى
سمع القرآن عرف أنه معجز؛ لأنه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر عليه، وهو يعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه، فيعلم أن عجز غيره كعجزه هو. وإن كان يحتاج بعد هذا إلى استدلال آخر، على أنه علَم على نبوته، ودلالة على رسالته؛ بأن يقال له: إن هذه آية لنبي، وإنها ظهرت عليه، وادّعاها معجزةً له وبرهانًا على صدقه.
5 -متى علم البليغ المتناهي في صنوف البلاغات عجزه عن القرآن علم عجز غيره عنه.