-والثالث: أن معنى قوله: {فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} : أي الجاحدين النافين أن يكون لله ولد سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
التاسع: الإيجاز والاختصار:
للعرب أساليبهم في كلامهم، ومن أبدع هذه الأساليب: الإيجاز؛ وقد جاء القرآن الكريم بلغة العرب، فلا ريب أن يرد الإيجاز في آياته، ونبدأ الآن بتعريف الإيجاز، وهل بينه وبين الاختصار فرق؟ ولماذا كان الإيجاز لاستشكال بعض الآيات؟
ذهب البعض من العلماء إلى أن الإيجاز والاختصار بمعنى واحد، وفرق البعض الآخر بينهما، فقال أبو الحسن الرماني: الإيجاز: تقليل الكلام من غير الإخلال بالمعنى، وإن كان المعنى يمكن أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة، ويمكن أن يعبر عنه بألفاظ قليلة، فالألفاظ القليلة إيجاز. والإيجاز عل وجهين: حذف وقصر.
فالحذف: إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام.
والقصر: بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف.
ونأخذ مثالًا لهذا النوع وهو قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ}
[البقرة: 179] . ففيها يقول الرازي - رحمه الله: ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة؛ لأن القصاص إزالة للحياة، وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلًا، وفي حق من يراد جعله مقتولًا، وفي حق غيرهما أيضًا.
أما في حق من يريد أن يكون قاتلًا: فلأنه إذا علم أنه لو قتل قُتل؛ ترك القتل، فلا يقتل فيبقى حيًا. وأما في حق من يراد جعله مقتولًا: فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول. وأما في حق غيرهما: فلأن في شرع القصاص بقاء في من همَّ بالقتل أو من يهم به، وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما؛ لأن الفتنة تعظم بسبب القتل؛ فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس.
وبهذا يتبين أن الإيجاز قد يصاحبه غموض، مما يؤدي إلى استشكال الآية لدى البعض.
العاشر: احتمال الإحكام أو النسخ للآية: