يَخْتلفون في سَمْع ولا بصر، ولا عقلٍ ولا جسم، ولا أرض ولا سماء، ولا ليل ولا نهار، عن أولئك الذين سهل عليهم وتيسَّر لهم السبيل السويُّ إلى حياة العزَّة والتمكين، ثم هم اليوم لا يَفْتؤون يجرِّبون كلَّ فترة من الزمن سُلوكَ طرُقٍ جديدة، فلا يَصِلُون منها إلاَّ إلى خيبة جديدة، وحسرة أشدَّ من التي قبلها، وما سبب ذلك إلاَّ أنَّهم يودُّون وَدَادةَ الغافل اللاَّهي، ويتمنَّون أمانِيَّ المخدوع المغرور، كما يتمنَّى الجائعُ الشِّبَعَ، ويَدْعو الله وهو مُخْلِد إلى أرْضِ الْخُمول والكسَل أن يُرْسِل له طعامًا يُدْخِله في فَمِه وهو نائم لا يُحَرِّك يدًا ولا رِجْلاً في العمل، وتحصيل الطَّعام بما سنَّ الله من سننٍ، ولا يأخذ بما أقام الله من أسباب، وهو يعلم أنَّ السماء لا تُمْطِر ذهبًا ولا فِضةً، ولا خبزًا ولا طبيخًا، وأنَّ الأرض لا تُخْرِج شيئًا من ذلك بدون سبب، أو يظنُّ بدين الصُّوفية الضالَّة: أنَّ العارفين يأكلون من تحت السجَّادة، أو يأخذ في حفر أرض حُجْرته النَّائم فيها، مُتَوهِّمًا أن كل أرض تُخْرج له طعامًا ونباتًا وزرعًا بأيِّ لون من الحَفْر، أو يذهب الماء الذي يُحْيي به الله الأرض بعد موتِها، أو يحرث الأرض الخصبة، ويُلْقِي البَذْر فيها، ويتعهَّده بالسَّقْي، لكنَّه في غير أوانه وحينه من الشِّتاء أو الصَّيف الذي أجرى الله سُنَّتَه الحكيمة له للزُّروع والثِّمار، وكذلك طالب الثِّياب اتِّقاء الحرِّ والبَرْد، وطالب الذرِّية والأولاد، وكذلك طالب العافية، وطالب العلم والدِّين، وطالب النَّصر والحرِّية والاستقلال عن العدوِّ الظَّالم، وطالب كلِّ شيء بدون أن يَسْلك له سبيله الذي أقام الله سُنَّتَه، ورتَّب أسبابه، فإنَّ كل هؤلاء كافرون بالله مُكَذِّبون، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولا تحويلاً، والله يقول لهؤلاء:"وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" [الحجر: 85] ويقول:"وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ"