ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ...}
و (ذرهم) أمْر بأن يدعَهم ويتركهم . وسبحانه قال مرة (ذرهم) ، ومرة قال: {وَذَرْنِي والمكذبين أُوْلِي النعمة ...} [المزمل: 11]
أي: اتركهم لي ، فأنا الذي أعاقبهم ، وأنا الذي أعلم أجلَ الإمهال ، وأجل العقوبة .
ويستعمل من"ذَرْهم"فعل مضارع هو"يَذَر"، وقد قال الحق سبحانه: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ...} [الأعراف: 127]
ولم يستعمل منها في اللغة فِعْل ماضٍ ، إلا فيما رُوِى من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم"ذروا اليمن ما ذروكم"، أي: اتركوهم ما تركوكم .
ويشارك في هذا الفعل فعل آخر هو"دَعْ"بمعنى"اترك". وقيل: أهملت العرب ماضي"يدع"و"يذر"إلا في قراءةٍ في قول الحق سبحانه: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى} [الضحى: 3]
وهنا يقول الحق سبحانه: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ...} [الحجر: 3]
ونحن أيضاً نأكل ، وهناك فرْق بين الأكل كوقود للحركة وبين الأكل كلذّة وتمتُّع ، والحيوانات تأكل لتأخذ الطاقة بدليل أنها حين تشبع ؛ لا يستطيع أحد أنْ يُجبرها على أكل عود برسيم زائد .
أما الإنسان فبعد أن يأكل ويغسل يديه ؛ ثم يرى صِنْفاً جديداً من الطعام فهو يمدُّ يده ليأكلَ منه ؛ ذلك أن الإنسان يأكل شهوةً ومتعةً ، بجانب أنه يأكل كوقود للحركة .
والفرق بيننا وبينهم أننا نأكل لتتكوَّن عندنا الطاقة ، فإنْ جاءت اللذة مع الطعام فأهلاً بها ؛ ذلك أننا في بعض الأحيان نأكل ونتلذذ ، لكن الطعام لا يمري علينا ؛ بل يُتعِبنا ؛ فنطلب المُهْضِمات من مياه غازية وأدوية .
ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه".
أي: أنه صلى الله عليه وسلم ينهانا عن أن نأكل بالشهوة واللذة فقط .