ولنلحظ الفارق بين طعام الدنيا وطعام الجنة في الآخرة ؛ فهناك سوف نأكل الطعام الذي نستلذّ به ويَمْري علينا ؛ بينما نحن نُضطر في الدنيا في بعض الأحيان أن نأكلَ الطعام بدون مِلْح ومسلوقاً كي يحفظ لنا الصحة ؛ ولا يُتعِبنا ؛ وهو أكل مَرِئ وليس طعاماً هنيئاً ، ولكن طعام الآخرة هَنِىءٌ ومَرِىءٌ .
وعلى ذلك نفهم قول الحق سبحانه: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ...} [الحجر: 3]
أي: أن يأكلوا أكْلاً مقصوداً لذات اللذَّة فقط .
ويقول الحق سبحانه متابعاً: {وَيُلْهِهِمُ الأمل ...} [الحجر: 3]
أي: أن يَنصبوا لأنفسهم غايات سعيدة ؛ تُلهِيهم عن وسيلة ينتفعون بها ؛ ولذلك يقول المثل العربي:"الأمل بدون عمل تلصُّص"فما دُمْت تأمل أملاً ؛ فلا بُدَّ أن تخدمه بالعمل لتحققه .
ولكن المثل على الأمل الخادع هو ما جاء به الحق سبحانه على لسان مَنْ غَرَّتْه النعمة ، فقال: {مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً * وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ...} [الكهف: 3536]
ولكن الساعة ستقوم رَغْماً عن أَنْف الآمال الكاذبة ، والسراب المخادع .
ويقول الحق سبحانه: {... وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3]
وكلمة (سوف) تدل على أن الزمن مُتراخٍ قليلاً ؛ فالأفعال مثل"يعلم"تعني أن الإنسان قد يعلم الآن ؛ ويعلم من بَعْد الآن بوقت قصير ، أما حين نقول"سوف يعلم"فتشمل كل الأزمنة .
فالنصر يتحقق للمؤمنين بإذن من الله دائماً ؛ أما غير المؤمنين فلسوف يتمنَّوْنَ الإيمان ؛ كما قُلْنا وأوضحنا من قبل .
وهكذا نرى أن قوله: {... فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3]