ب"رُب"ومعها حرف"ما"ومن بعدهما فعل . ومن العيب أن تقول: إن"ما"هنا زائدة ؛ ذلك أن المتكلم هو ربُّ كل العباد .
وهنا يقول الحق سبحانه: {رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2]
فهل سيأتي وقت يتمنى فيه أهل الكفر أنْ يُسلموا؟ إن"يودّ"تعني"يحب"و"يميل"و"يتمنى"، وكل شيء تميل إليه وتتمناه يسمى"طلب".
ويقال في اللغة: إن طلبت أمراً يمكن أن يتحقق ، ويمكن ألاّ يتحقق ؛ فإنْ قُلْتَ:"يا ليت الشبابَ يعود يوماً"فهذا طَلبٌ لا يمكن أن يتحققَ ؛ لذلك يُقال إنه"تمني". وإنْ قلت"لعلِّي أزور فلاناً"فهذا يُسمّى رجاء ؛ لأنه من الممكن أن تزور فلاناً . وقد تقول:"كم عندك؟"بهدف أن تعرف الصورة الذهنية لمَنْ يجلس إليه مَنْ تسأله هذا السؤال ، وهذا يُسمّى استفهاماً .
وهكذا إنْ كنت قد طلبتَ عزيزاً لا يُنال فهو تمنٍّ ؛ وإن كنت قد طلبتَ ما يمكن أن يُنَال فهو الترجي ، وإن كنتَ قد طلبتَ صورته لا حقيقته فهو استفهام ، ولكن إنْ طلبت حقيقة الشيء ؛ فأنت تطلبه كي لا تفعل الفعل .
والطلب هنا في هذه الآية ؛ يقول: {رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2]
فهل يتأتَّى هذا الطلب؟
وَلنر متى يودُّون ذلك . إن ذلك التمنِّي سوف يحدث إنْ وقعتْ لهم أحداثٌ تنزع منهم العناد ؛ فيأخذون المسائل بالمقاييس الحقيقية .
والحق سبحانه هو القائل: {وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ...} [النمل: 14]
وقد حدث لهم حين وقعت غزوة بدر ، ونال منهم المسلمون الغنائم أنْ قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين ، وأخذنا تلك الغنائم .
أي: أن هذا التمنِّي قد حدث في الدنيا ، ولسوف يحدث هذا عند موت أحدهم .