وهكذا فعل الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - فقد هدم ما ترسخ من عقائدهم وأعرافهم وما ترسخ في قلوبهم وضمائرهم، ثم إن هذه الاستعارة من وجه آخر تُرمَى في وجوه هؤلاء الذين يمالئون في كلمة الله وحدود حلاله وحرامه، بمصانعة الجهلة والطواغيت، وتأييد ضلالاتهم وانحرافاتهم، وإعطائها صبغة قرآنية، وكذلك الذين يصانعون العقائد والمذاهب المعاصرة فيتساهلون في تحديد وجهة نظر القرآن، أو يُلبسون في بعض جوانبها؛ ليُدنوا هذه النظم من القرآن أو يُدنوا القرآن منها، وهذا وغيره يخالف الإبانة الكاشفة التي جسدتها كلمة: {فَاصْدَعْ} .
وانظر إلى قوله: {بِمَا تُؤْمَرُ} وكيف عبر عن الدين وأمر الله بهذه الصيغة التي تبعد عن هذا الأمر عنصر البشرية وذاتية محمد - صلى الله عليه وسلم - فالذي ينادَى به ويجهر بالدعوة إليه أمر تلقاه وليس غير ذلك، ثم انظر إلى الأمر الذي تلاه: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} ، وكيف حدد موقف الداعي من جبهة العناد والضلال وأنه الإعراض عنهم؛ حتى لا تستهلك طاقة الداعية في لجاجتهم الغوغائية، وفي محيطهم السلبي المعطل.
{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) }
قد عبر في كل ذلك عن الصلاة بالسجود، وهو ركن من أركانها، وذلك عن طريق المجاز المرسل الذي علاقته الجزئية. انتهى انتهى {علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، لمجموعة من العلماء} ...