وَأَرَادَ بِسُؤَالِهِ الْإِنْظَارَ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ: أَلَّا يَمُوتَ، لِأَنَّ يَوْمَ الْبَعْثِ لَا مَوْتَ فِيهِ وَلَا بَعْدَهُ.
(قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) يَعْنِي من المؤجلين.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (أَرَادَ بِهِ النَّفْخَةَ الْأُولَى) ، أَيْ حِينَ تَمُوتُ الْخَلَائِقُ.
وَقِيلَ: الْوَقْتُ الْمَعْلُومُ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَيَجْهَلُهُ إِبْلِيسُ.
فَيَمُوتُ إِبْلِيسُ ثُمَّ يُبْعَثُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ) .
وَفِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا - كَلَّمَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ.
الثَّانِي - كَلَّمَهُ تَغْلِيظًا فِي الْوَعِيدِ لَا عَلَى وجه التكرمة والتقريب.
(قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ)
وَتَزْيِينُهُ هُنَا يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ:
إِمَّا بِفِعْلِ الْمَعَاصِي، وَإِمَّا بِشَغْلِهِمْ بزينة الدنيا عن فعل الطاعة.
ومعنى: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) أَيْ لَأُضِلَّنَّهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى.
وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ إِبْلِيس قَالَ يَا رَبِّ وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَا أَزَالُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَامِهِمْ فَقَالَ الرَّبُّ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا استغفروني) .
(قالَ هَذَا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(41)
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَعْنَاهُ هَذَا صِرَاطٌ يَسْتَقِيمُ بِصَاحِبِهِ حَتَّى يَهْجُمَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ.
الْحَسَنُ: (عَلَيَّ) بِمَعْنَى إِلَيَّ.
مُجَاهِدٌ وَالْكِسَائِيُّ: هَذَا عَلَى الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ، كَقَوْلِكَ لِمَنْ تُهَدِّدَهُ: طَرِيقُكَ عَلَيَّ وَمَصِيرُكَ إِلَيَّ.
وَكَقَوْلِهِ: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) .
فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: هَذَا طَرِيقٌ مَرْجِعُهُ إِلَيَّ فَأُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، يَعْنِي طَرِيقَ الْعُبُودِيَّةِ.