(رب اجعل هذا البلد) أي مكة (آمناً) أي ذا أمن إلى قرب القيامة وخراب الدنيا، وقدَّم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدنيا والدين، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى (رب اجعل هذا بلداً آمنا) والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هاهنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن.
وفي الجمل فسر الشارح البلد هنا بمكة، وفي سورة البقرة بالمكان فيقتضي أن هذا الدعاء وقع مرتين مرة قبل بنائها ومرة بعده، ولذلك كتب
الكرخي هناك ما نصه نكر البلد هنا وعرفه في إبراهيم لأن الدعوة هنا كانت قبل جعل المكان بلداً فطلب من الله أن يجعل ويصير بلداً آمناً وثم كانت بعد جعله بلداً انتهى.
وقال الزمخشري: سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا انتهى.
قلت والمعاني متقاربة والمراد من الدعاء جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد الله ولم يقدر أحد على تخريبها وأن أغار جماعة من الجبابرة عليها وأخافوا أهلها، وقيل هو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين من الحبشة على ما في الصحيحين فلا تعارض بين النصين.
أو المراد جعل أهل هذا البلد آمنين، وهذا الوجه عليه أكثر المفسرين وغيرهم، وهذا الأمن حاصل بحمد الله بمكة وحرمها إلى الآن قال السيوطي: وقد أجاب الله دعاءه فجعله حرماً لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى خلاه.