عبادتي وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ في قراءة أبيّ: ولأبويّ. وقرأ سعيد بن جبير:
ولوالدي ، على الإفراد ، يعني أباه. وقرأ الحسن بن على رضى اللّه عنهما: ولولديّ ، يعني إسماعيل وإسحاق. وقرئ: لولدي ، بضم الواو. والولد بمعنى الولد ، كالعدم والعدم. وقيل: جمع ولد ، كأسد في أسد. وفي بعض المصاحف: ولذرّيتى. فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين؟ قلت: هو من مجوّزات العقل «1» لا يعلم امتناع جوازه إلا بالتوقيف. وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء. وقيل: بشرط الإسلام. ويأباه قوله إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ لأنه لو شرط الإسلام لكان استغفاراً صحيحا لا مقال فيه ، فكيف يستثنى الاستغفار الصحيح من جملة ما يؤتسى فيه بإبراهيم يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ أي يثبت ، وهو مستعار من قيام القائم على الرجل ، والدليل عليه قولهم: قامت الحرب على ساقها. ونحوه قولهم: ترجلت الشمس: إذا أشرقت وثبت ضوؤها ، كأنها قامت على رجل. ويجوز أن يسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازيا ، أو يكون مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ وعن مجاهد: قد استجاب اللّه له فيما سأل ، فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته ، وجعل البلد آمنا ، ورزق أهله من الثمرات. وجعله إماما ، وجعل في ذريته من يقيم الصلاة ، وأراه مناسكه ، وتاب عليه. وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال:
كانت الطائف من أرض فلسطين ، فلما قال إبراهيم رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ الآية ، رفعها اللّه فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم.
[سورة إبراهيم (14) : الآيات 42 إلى 43]
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (43)
فإن قلت: يتعالى اللّه عن السهو والغفلة ، فكيف يحسبه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو أعلم الناس به غافلا حتى قيل وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا؟ قلت: إن كان خطابا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ففيه وجهان. أحدهما التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب اللّه غافلا ، كقوله وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ، كما جاء في الأمر يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ والثاني: أنّ المراد بالنهي عن حسبانه غافلا ، الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون ، لا يخفى عليه منه شيء ، وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد كقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يريد الوعيد. ويجوز أن يراد: ولا تحسبنه يعاملهم معاملة
(1) . قوله «هو من مجوزات العقل» يعني على مذهب المعتزلة أن العقل قد يدرك الحكم بدون شرع ، ومذهب أهل السنة أن لا حكم قبل الشرع حتى يدرك بدونه ، فافهم. (ع)