وكلنا نظن أن الشجرة تأخذ غذاءها من الجذور فقط ؛ ولكن الحقيقة العلمية تؤكد أن الشجرة تأخذ خمسة بالمائة من غذائها عَبْر الجذور ؛ والباقي تأخذه من الهواء ، وكلما كان الهواء نظيفاً فالشجرة تنمو بأقصى ما فيها من طاقة حتى تكاد أن تبلغ فروعها السماء .
أما إنْ كانت البيئة غيرَ نظيفة ومُلوّثة ؛ فالهواء يكون غيرَ نظيف بما لا يسمح للشجرة أن تنمو المناسب ؛ فتمُرُّ الأغيار غير المناسبة على الشجرة ، فلا تستخلص منها الغذاء المناسب ، ولا تنمو النمو المناسب .
اللهم إلا إذا نزل عليها المطر فيغسل أوراقها .
إذن: فقول الحق سبحانه:
{أَصْلُهَا ثَابِتٌ ...} [إبراهيم: 24] .
يعني: أنها تأخذ من الأرض .
وقوله:
{وَفَرْعُهَا فِي السمآء . .} [إبراهيم: 24] .
يُبيِّن أنها تأخذ من أعلى .
ويتابع سبحانه:
{تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ...} [إبراهيم: 25] .
والأُكُل هو ما يُؤْكل ويُتمتَّع به ، ولكنّا لا نأخذ المعنى هنا على ما يُؤْكَل بالفم فقط ؛ ذلك أن هناك أشجاراً ونباتات طيبة ؛ لأن مزاجَ الكون العام يتطلبها ؛ فالظل مثلاً يُستفاد منه ؛ وكذلك هناك أشجار يتفاعل وجودها مع الأثير ؛ ويأخذ منها رائحة طيبة .
والمثل في ذلك: الطفل البدويّ الذي شاهد نخيل جيرانه مثمراً بالبلح ، ولكن النخلة التي يملكونها غير مثمرة ، وتساءل: لماذا؟ وذهب ليقطعها ، فلحقه والده ومنعه من ذلك ، وقال له: إن نخلتنا هي الذكر الذي يُنتج اللقاح اللازم لبقية النخيل كي تثمر .
ولذلك فأنا لا أوافق المفسرين الذين ذهبوا إلى تفسير قوله الحق:
{كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ...} [إبراهيم: 24] .
بأنها مثل شجرة التفاح وغيرها من الأشجار المثمرة ؛ ذلك أن كل شجرة حتى ولو كانت شجرة حَنْظل فهي طيبة بفائدتها التي أودعها الحق إياها ؛ فشجرة الحنظل نأخذ منها دواءً - قد يكون مرير الطَّعْم - لكنه يشفي بعضاً من الأمراض بإذن الله .