وهو سبحانه ضرب الأمثال الكثيرة لِيُوضِّح الأمر الخفيّ بأمر جَليّ . ومن بعد ذلك ينتشر المثَل بين الناس . ونقول: إن كلمة"ضرب"مثلها مثل"ضرب العملة"، وكان الناس قديماً يأتون بقطع من الفضة أو الذهب ويُشكِّلونها بقدْر وشَكلْ مُحدّد لِتدُل على قيمة ما ، وتصير بذلك عُمْلة متداولة ، ويُقَال وشكَلْ - أيضاً -"ضُرِب في مصر"أي: اعتمد وصار أمراً واقعاً . وكذلك المثل حين ينتشر ويصبح أمراً واقعاً .
والمثل الذي يضربه الحق سبحانه هنا هو الكلمة الطيبة ؛ ولها أربع خصائص:
{كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ...} [إبراهيم: 24] .
أي: تعطيك طِيباً تستريح له نفسُك ؛ إما منظراً أو رائحة أو ثماراً ؛ أو كُل ذلك مجتمعاً ؛ فقوله:
{كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ . .} [إبراهيم: 24] .
يُوحي بأن كُلّ الحواس تجد فيها ما يُريحها ؛ وكلمة"طيبة"مأخوذة من الطِّيب في جميع وسائل الإحساس .
فالخاصة الأولى ، أنها شجرة طيبة ، أما الخاصية الثانية فهي أن أصلها ثابت ، كإيمان المؤمن المحب ، والثالثة أن فروعها في السماء ، وهذا دليل أيضاً على ثبات الأصل وطيب منبتها .
أما الخاصية الرابعة فهي أن تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، أي: فيها عطاء المدد المدد الذي لا يعرف الحد ولا العدد ، وهي تدل على صفات المؤمنين المحبين .
وبما أنها شجرة طيبة ؛ فهي كائن نباتيّ لا بُدّ لها من أن تتغذَّى لتحفظ مُقوِّمات حياتها . ومُقوِّمات حياة النبات توجد في الأرض ، فإنْ كانت الشجرة مُخَلْخَلة وغير ثابتة فهي لن تستطيع أن تأخذ غذاءها .
ولذلك يقول الحق سبحانه عن تلك الشجرة:
{أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السمآء ...} [إبراهيم: 24] .