شكرانها بالزيادة على سبيل الصدقة والإحسان.
ثمَّ ذكَرَ بعد هذه العلة، علَّةً أُخرى، فقال: {وَإِنِّي أَخَافُ} وأخشى {عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} ؛ أي: يومًا يُحيط بكم عذابه، لا يشُذ منه أحدٌ منكم، إذا أنتم أصررتم على شرككم بالله بعبادة غيره، وكفرتم بنعمه بنقص المكيال والميزان. وهذا العذاب إما في الدنيا بعذاب الاستئصال، وإمَّا في يوم القيامة، ففي هذه العلة تذكير لهم بعذاب الآخرة، كما أنَّ العلة الأُولى فيها تذكير لهم بنعيم الدنيا، ووصف اليوم بالإحاطة، والمراد العذاب: لأنَّ العذابَ واقعٌ في اليوم ففيه إسناد مجازيٌّ. ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم أنه لا يُشُذُّ منهم أحد عنه، ولا يجدون منه مَلجأً ولا مهربًا. واليومُ هو يوم القيامة. وقيل: هو يوم الانتقام منهم في الدنيا بالصيحة. وأصل العذاب في كلام العرب من العذب، وهو: المَنْعُ، وسمِّي الماء عذبًا؛ لأنه يمنع العطشَ. والعذابُ عذابًا؛ لأنه يمنع المعاقب عن معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره عن مثل فعله.
85 -ثم أكد النهي عن نقص الكيل والوزن بقوله: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا} وأتموا {الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} ؛ أي: بالعدل بلا زيادة، ولا نقصان. ومعنى: إيفاء الحق إعطاؤُه تامًّا كاملًا؛ أي اسْعوا في إعطاء الحق على وَجه التمام والكمال، بحيث يحصل لكم اليقينُ بالخروج عن العهدة وقوله: {بِالْقِسْطِ} حال من فاعل {أَوْفُوا} أي متلبسين بالعدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان، فإنَّ الزيادةَ في الكيل والوزن وإن كانت تفضلًا مندوبًا إليه، لكنها في الآلة محظورة كالنقص، فلعل الزائدَ للاستعمال عند الاكتيال، والناقص للاستعمال وقتَ الكيل، كذا في"الإرشاد". وصرَّح بالإيفاء بعد النهي عن ضده؛ لأن النهيَ عن نقص حَجْم المكيال، وصنجات الميزان, والأمر بإيفاء المكيال والميزان حقهما بأن لا ينقص في الكيل والوزن، وهذا الأمر بعد مساواة المكيال، والميزان للمعهود، فلا تكرار في الآية كما في"حواشي سعدي المفتي".