ومثال ذلك من حياتنا ولله المثل الأعلى نجد الرئيس في أي موقع من مواقع العمل ؛ وهو يستقبل البريد اليومي المتعلق بالعمل ، ويحول كل خطاب إلى الموظف المختص ليدرسه أو ليقترح بخصوصه اقتراحاً ، وإذا وجد الرئيس أمراً مهمّاً قادماً من أعلى المستويات ؛ فهو يستدعي الموظف المختص ؛ ويرتب معه الإجراءات والترتيبات الواجب اتخاذها ؛ وإذا كان هذا يحدث في الأمور البشرية ، فما بالنا بالتكليف من الله سبحانه وتعالى للرسول؟
وقد شاء الحق سبحانه أن يكون تكليف الصلاة لأهميته هو التكليف الوحيد الذي نال تلك المنزلة ؛ لأنها الركن الذي يتكرر خمس مرات في اليوم الواحد ؛ ولا مناص منه .
فأنت قد لا تنطق الشهادة إلا مرة واحدة ؛ لكنك تقولها في كل صلاة .
وفي الزكاة تضحِّي ببعض المال ؛ وأنت لم تولد ومعك المال ؛ إلا إن كنت قد ورثت وأنت في بطن أمك ؛ ولا بد أن تزكِّي من مالك ؛ والمال لا يأتي إلا من العمل ؛ والعمل فرع من الوقت ؛ وأنت في الصلاة تضحِّي بالوقت نفسه ؛ والوقت أوسع من دائرة الزكاة .
وفي الصيام أنت تمتنع عن شهوتي البطن والفرج ؛ من الفجر إلى المغرب ؛ لكنك تمارس كل أنشطة الحياة ؛ أما في الصلاة فأنت تصوم عن شهوتي الفرج والطعام ؛ وتصوم أكثر عن أشياء مباحة لك في الصيام .
وفي الحج أنت تتوجه إلى بيت الله الحرام ؛ وأنت في كل صلاة تتوجه إلى بيت الله الحرام .
وهكذا تجتمع كل أركان الإسلام في الصلاة .
وأهل مدين هنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد هزءوا برسولهم شعيب عليه السلام ، وصلاته ؛ مثلما فعل كفار قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال أهل مدين لشعيب عليه السلام:
{أصلاوتك تَأْمُرُكَ} [هود: 87] .
وظنوا أنهم بهذا القول إنما يتهكمون عليه ؛ لأن شعيباً كان كثير الصلاة ؛ وهم ككفار قريش يجهلون أن الصلاة تأمر وتنهى .
والحق سبحانه يقول:
{إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر} [العنكبوت: 45] .