وهذا المحمل في الآية يسمح به استعمال التركيب ومقاصد الرسل وهو أشمل للمعاني من تفسير المتقدّمين ، فلا ينبغي قصر تفسير الآية على ما قالوه لأنّه لا يقابل قول قومه {أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} [هود: 87] ، فإنهم ظنوا به أنه مَا قَصَدَ إلاّ مخالفتهم وتخطئتهم ونفوا أن يكون له قصد صالح فيما دعاهم إليه ، فكان مقتضى إبطال ظِنّتِهم أن يَنفي أن يريد مجرد مخالفتهم ، بدليل قوله عقبه {إن أريد إلاّ الإصلاح مَا استطعت} .
فمعنى قوله: {وما أريد أن أخالفكم} أنّه ما يريد مجرّد المخالفة كشأن المنتقدين المتقعرين ولكن يخالفهم لمقصد سام وهو إرادة إصلاحهم.
ومن هذا الاستعمال ما ورد في الحديث لمّا جاء وفد فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر الصديق:"أمّرْ الأقرع بن حابس ، وقال عمر: أمّرْ فلاناً ، فقال أبو بكر لعُمر: ما أردتَ إلى خلافي ، فقال عمر: ما أردتُ إلى خلافك".
فهذا التفسير له وجه وجيه في هذه الآية.
وفي هذا ما يدلّ على أن المنتقدين قسمان قسم ينتقد الشيء ويقف عند حد النقد دون ارتقاء إلى بيان ما يصلح المنقود.
وقسم ينتقد ليبيّن وجه الخطأ ثم يعقبه ببيان ما يصلح خطأه.
وعلى هذا الوجه يتعلّق {إلى ما أنهاكم} بفعل {أريد} وكذلك {أن أخالفكم} يتعلق بـ {أريد} على حذف حرف لام الجر.
والتقدير: ما أريد إلى النهي لأجل أن أخالفكم ، أي لمحبة خلافكم.
وجملة {إن أريد إلاّ الإصلاح مَا استعطعت} بيان لجملة {ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} لأنّ انتفاء إرادة المخالفة إلى ما نهاهم عنه مجمل فيما يريد إثباته من أضداد المنفي فبيّنهُ بأنّ الضد المراد إثباته هو الإصلاح في جميع أوقات استطاعته بتحصيل الإصلاح ، فالقصر قصر قلب.