قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ.
الثَّالِثُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ التُّجِيبِيُّ: كُنْت عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَاعِدًا ، وَهُوَ إذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ ، وَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهِ ، فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ ، فَأَمَرَ فَطِيفَ بِهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ: إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَك إلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْت فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ ، فَقَدْ تَقَدَّمْت فِي ذَلِكَ ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَدْ كُنْت أَيَّامَ الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ ؛ وَإِنَّمَا كُنْت أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يُرَبِّي شَعْرَهُ عَوْنًا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَطَرِيقًا إلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفُسُوقِ ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقَةٍ لِلْمَعْصِيَةِ أَنْ يَقْطَعَ إذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ.
وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا ، فَإِنَّ الْكَسْرَ إفْسَادُ الْوَصْفِ وَالْقَرْضَ تَنْقِيصُ الْقَدْرِ ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ مِنْ حِرْزٍ ، وَالْحِرْزُ أَصْلٌ فِي الْقَطْعِ.