وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ، وَهُوَ أَنَّهَا مِنْ طِينٍ، وَبِذَلِكَ وَصَفَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي مَوْضِعٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ}
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هِيَ فَارِسِيَّةٌ وَنَبَطِيَّةٌ
قَالَ: «فَارِسِيَّةٌ وَنَبَطِيَّةٌ سِجْ إِيلْ»
فَذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ اسْمَ الطِّينِ بِالْفَارِسِيَّةِ جَلَّ لَا إِيلْ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ بِالْفَارِسِيَّةِ لَكَانَ سِجِلًّا لَا سِجِّيلًا، لِأَنَّ الْحَجَرَ بِالْفَارِسِيَّةِ يُدْعَى سِجْ، وَالطِّينَ جَلَّ، فَلَا وَجْهَ لِكَوْنِ الْيَاءِ فِيهَا، وَهِيَ فَارِسِيَّةٌ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَصْلُ الْحِجَارَةِ طِينًا فَشُدِّدَتْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَنْضُودٍ} فَإِنَّ قَتَادَةَ، وَعِكْرِمَةَ يَقُولَانِ فِيهِ"مَصْفُوفَةٍ"
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِيهِ:"نَضَدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ"
عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَمَا قَوْلُهُ:" {مَنْضُودٍ} فَإِنَّهَا فِي السَّمَاءِ مَنْضُودَةٌ: مُعَدَّةٌ، وَهِيَ مِنْ عُدَّةِ اللَّهِ الَّتِي أَعَدَّ لِلْظَلَمَةِ"
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْضُودٌ: يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَذَلِكَ نَضْدُهُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {مَنْضُودٍ} مِنْ نَعْتِ «سِجِّيلٍ» ، لَا مِنْ نَعْتِ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّمَا أُمْطِرَ الْقَوْمُ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ، صِفَةُ ذَلِكَ الطِّينِ أَنَّهُ نَضَدَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، فَيَصِيرُ حِجَارَةً، وَلَمْ يُمْطَرُوا الطِّينَ، فَيَكُونُ مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ تَتَابَعَ عَلَى الْقَوْمِ بِمَجِيئِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ هَذَا الْمُتَأَوِّلُ لَوْ كَانَ التَّنْزِيلُ بِالنَّصْبِ مَنْضُودَةً، فَيَكُونُ مِنْ نَعْتِ الْحِجَارَةِ حِينَئِذٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ} فَإِنَّهُ يَقُولُ: مُعَلَّمَةً عِنْدَ اللَّهِ، أَعْلَمَهَا اللَّهُ، وَالْمُسَوَّمَةُ مِنْ نَعْتِ الْحِجَارَةِ، وَلِذَلِكَ نُصِبَتْ وَنُعِتَ بِهَا.