واستظهر ذلك الحمصي في حواشيه على التصريح واستحسنه غير واحد ، وقد نقل أبو حيان القول بالانقطاع على القراءتين وتخريج النصب على اللغة الحجازية والرفع عن الأخرى ، ثم قال إنه كلام لا تحقيق فيه فإنه إذا لم يقصد إخراجها من المأمور بالإسراء بهم ولا من المنهيين عن الالتفات وكان المعنى لكن أمرأتك يجري عليها كذا وكذا كان من الاستثناء الذي لا يتوجه إليه العامل ، وهذا النوع من الاستثناء المنقطع يجب فيه النصب بإجماع العرب ، وإنما الخلاف في المنقطع الذي يمكن توجه العامل إليه وفيه نظر ، ففي التوضيح لابن مالك حق المستثنى بإلا من كلام تام موجب مفرداً كان أو مكملاً معنى بما بعده كقوله تعالى: {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ امرأته قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين} [الحجر: 59 - 60] النصب ، ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين إلا النصب ، وقد غفلوا عن وروده مرفوعاً بالابتداء ثابت الخبر كقول أبي قتادة: أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم ، ومحذوفه نحو {لاَّ تُدْرِكُهُ نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ} إلا الله ، {وَإِلاَّ} في ذلك بمعنى لكن أي لكن أبو قتادة لم يحرم ولكن الله يعلم انتهى ، وما نحن فيه من قبيل هذا ، وفي حاشيتي البدر الدماميني.
وتقي الدين الشمني أن الرضى قد أجاب بما يقتضي أن الاستثناء متصل ولا تناقض ، وذلك أنه قال: ولما تقرر أن الأتباع هو الوجه مع الشرائط المذكورة وكان أكثر القراء على النصب في {وَلاَ يَلْتَفِتْ} الخ تكلف الزمخشري لئلا تكون قراءة الأكثر محمولة على وجه غير مختار بما تكلف ، واعترضه ابن الحاجب بلزوم التناقض لأن الاستثناء من أسر بأهلك يقتضي كونها غير مسرى بها ، ومن لا يلتفت منكم أحد يقتضي كونها مسري بها لأن الالتفات بالإسراء ، والجواب أن الإسراء وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات.