وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ رَفْعًا، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْكَلَامُ الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَالَّذِي لَا يَتَنَاكَرُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَمَا عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْأَمْصَارِ. فَأَمَّا النَّصْبُ فِيهِ فَإِنَّ لَهُ وَجْهًا، غَيْرَ أَنِّي لَا أُحِبُّ الْقِرَاءَةَ بِهِ، لِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ نَزَلَ بِأَفْصَحِ أَلْسُنِ الْعَرَبِ، وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْعِلْمِ بِالَّذِي نَزَلَ بِهِ مِنَ الْفَصَاحَةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتْ سَارَةُ لَمَّا بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ أَنَّهَا تَلِدُ تَعَجُّبًا مِمَّا قِيلَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ، إِذْ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتِ السِّنَّ الَّتِي لَا يَلِدُ مَنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهَا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ،
وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ يَوْمَئِذٍ ابْنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ.
وعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «كَانَتْ سَارَةُ يَوْمَ بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ابْنَةَ تِسْعِينَ سَنَةً، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِئَةِ سَنَةٍ»
{يَا وَيْلَتَى} وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ مِنَ الشَّيْءِ، وَالِاسْتِنْكَارِ لِلشَّيْءٍ، فَيَقُولُونَ عِنْدَ التَّعَجُّبِ: وَيْلُ أُمِّهِ رَجُلًا مَا أَرْجَلَهُ،
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي هَذِهِ الْأَلِفِ الَّتِي فِي: {يَا وَيْلَتَى} فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: هَذِهِ أَلِفُ حَقِيقَةً، إِذَا وَقَفْتَ قُلْتَ: يَا وَيْلَتَاهُ، وَهِيَ مِثْلُ أَلِفِ النُّدْبَةِ، فَلَطُفَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي السَّكْتِ، وَجُعِلَتْ بَعْدَهَا الْهَاءُ لِتَكُونَ أَبْيَنَ لَهَا، وَأَبْعَدَ فِي الصَّوْتِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَلِفَ إِذَا كَانَتْ بَيْنَ حَرْفَيْنِ كَانَ لَهَا صَدًى كَنَحْوِ الصَّوْتِ يَكُونُ فِي جَوْفِ الشَّيْءِ، فَيَتَرَدَّدُ فِيهِ، فَتَكُونُ أَكْثَرَ وَأَبَيْنَ.