قوله: {فَمَا لَبِثَ} يجوزُ في"ما"هذه ثلاثة أوجه ، أظهرها: أنها نافيةٌ ، وفي فاعل"لَبث"حينئذ وجهان ، أحدهما: أنه ضميرٌ إبراهيم عليه السلام ، أي: فما لبث إبراهيم ، وإن جاء على إسقاطِ الخافض ، فقدَّروه بالباء وب"عن"وب"في"، أي: فما تأخر في أَنْ ، أو بأن ، أو عن أن . والثاني: أن الفاعل قوله:"أن جاء"، والتقدير: فلما لبث ، أي: ما أبطأ ولا تأخَّر مجيئُه بعجل سمين .
وثاني الأوجه: أنها مصدريةٌ ، وثالثها: أنها بمعنى الذي . وهي في الوجهين الأخيرين مبتدأ ، وإن جاء خبرُه على حَذْف مضاف تقديره: فلُبْثُه أو الذي لَبِثه قَدْرَ مجيئه .
والحَنيذ: المَشْويُّ بالرصْف في أخدود . حَنَذْتُ الشاةَ أَحْنِذُها حَنْزاً فهي حَنيذ ، أي محنوذة . وقيل: حنيذ بمعنى يَقْطُرُ دَسَمُه من قولهم: حَنَذْتُ الفرس ، أي: سُقْتُه شوطاً أو شوطين وتضع عليه الجُلَّ في الشمس ليَعْرَق .
{فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) }
قوله تعالى: {نَكِرَهُمْ} : أي: أنكرهم ، فهما بمعنى وأنشدوا:
2678 وأَنْكَرَتْني وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادثِ إلا الشَّيْبَ والصَّلعا
وفرَّق بعضهم بينهما فقال:/ الثلاثي فيما يرى بالبصر ، والرباعي فما لا يُرى من المعاني ، وجعل البيتَ من ذلك ، فإنها أَنْكَرَتْ مودَته وهي من المعاني التي لا ترى ، ونَكِرَتْ شيبتَه وصَلَعه ، وهما يُبْصَران ، ومنه قولُ أبي ذؤيب:
2679 فَنَكِرْنَه فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ به ... هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشُعُ
والإِيجاس: حديث النفس ، وأصلُه من الدخول كأن الخوف داخله .