وتساءلت مريم عن كيفية حدوث ذلك وهي التي لم يمسسها بشر فيذكِّرها الملك بأنها هي التي أجرى الله سبحانه وتعالى على لسانها قوله الحق في أثناء كلامها مع زكريا عليه السلام:
{إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] .
وكان لا بد من طمأنتها ؛ لأن إنجابها للمسيح عيسى عليه السلام دون أب هي مسألة عرض ، ويجب أن تُقبل عليها وهي آمنة ، غير مرتابٍ فيها ولا متهمة .
والآية التي نحن بصددها هنا تتعرض لامرأة إبراهيم عليه السلام حين جاءتها البشارة بالطفل ، وكيف أوضحت لها الملائكة أنه لا عجب مما قدَّره الله تعالى وأراده ، خلافاً للناموس الغالب في خلقه ؛ لأن رحمة الله تبارك وتعالى بكل خير فيها قد وسعت أهل بيت النبوة ، ومن تلك الرحمة والبركات هبة الأبناء في غير الأوان المعتاد .
ولهذا قال الحق سبحانه هنا:
{رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت} [هود: 73] .
وينهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى:
{إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} [هود: 73] .
أي: أنه سبحانه يستحق الحمد لذاته ، وكل ما يصدر عنه يستوجب الحمد له من عباده ، فلا حد لخيره وإحسانه ، والله تعالى مُطْلَقُ صفات المجد .
وكلمة"حميد"في اللغة من"فَعِيل"وتَرِدُ على معنيين: إما أن تكون بمعنى فاعل مثل قولنا:"الله رحيم"بمعنى أنه راحم خلقه . وإما أن تكون بمعنى مفعول ؛ كقولنا:"قتيل"بمعنى"مقتول".
وكلمة"حميد"هنا تأتي بالمعنيين معاً:"حامدٌ"و"محمودٌ"، مثل قول الحق سبحانه عن نفسه أنه"الشكور"؛ لأنه سبحانه يشكر من يشكره على نعمه بطاعته . والله سبحانه"حميدٌ"؛ لأنه حامدٌ لمن يطيعه طاعة نابعة من الإيمان ، والله سبحانه"محمودٌ"ممن أنعم عليهم نعمه السابغة .
والله سبحانه هو المجيد الذي يعطي قبل أن يُسأل .