وحُكْم الصورة عند تشكل الجني هي التي تحمينا من مخاوفنا ، وهو أيضاً يخاف منا مثلما نخاف منه ، ولذلك لا يظهر الجني متشكلاً في صورة إلا لحظة قصيرة ليختفي على الفور ؛ لأنه يخاف أن تكون قد علمتم أن الصورة التي تشكل عليها تحكمه وتستطيع أن تفتك به ؛ لذلك فالجن يخافون من البشر .
وشاء الحق سبحانه ذلك الأمر حتى لا يفزع الجنُّ الناسَ .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} [هود: 70] .
وكلمة {نَكِرَهُمْ} تقتضي أن ننظر في مادة"النون والكاف والراء"وكلمة"نكر"وكلمة"أنكر"كلتاهما مستعملة في القرآن .
والشاعر يقول:
وَأنْكَرتَنِي ومَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ ... مِنَ الحَوادِث إلاّ الشَّيبَ والصَّلَعا
والاستعمال اللغوي يدل على أن المقابح من ألوان السلوك تسمى منكرات ، أي: ينكرها الإنسان بفطرته .
وهنا حين رأى إبراهيم عليه السلام أن أيديهم لا تصل إلى العجل الحنيذ نكرهم ، وأوجس في نفسه خيفة ، فلاحَظوا ذلك ، وقالوا:
{لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 70] .
وهكذا عرف لمن جاءوا ، واطمأن أن قومه لم يأتوا بفعل يستحقون عليه العذاب ، وخصوصاً أن كتب التاريخ تقول: إن إمرأة إبراهيم عليه السلام قالت له: ألا تضم ابن أخيك إلى كنفك هنا ؛ لأن قومه يوشك أن يعمهم الله بالعذاب .
وحين سمعت أن الرسل إنما جاءت إلى قوم لوط سُرَّتْ من فراستها ، وتبسَّمت لأنها تنبهت إلى هذه المسألة .
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:
{قالوا إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ} [الذاريات: 3234] .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وامرأته قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ}