ومرة أخرى نجد حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلب من قلوب الصفوة المختارة. قلوب الرسل الكرام. نجدها في قولة صالح التي يحكيها عنه القرآن الكريم: {قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، وآتاني منه رحمة ، فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير} ...
.وذلك بعد أن يصف لهم ربه كما يجده في قلبه: {إن ربي قريب مجيب} ..
وما تتجلى حقيقة الألوهية قط في كمالها وجلالها وروائها وجمالها كما تتجلى في قلوب تلك الصفوة المختارة من عباده. فهذه القلوب هي المعرض الصافي الرائق الذي تتجلى فيه هذه الحقيقة على هذا النحو الفريد العجيب!
ثم نقف من القصة أمام الجاهلية التي ترى في الرشد ضلالاً ؛ وفي الحق عجيبة لا تكاد تتصورها! فصالح الذي كان مرجواً في قومه ، لصلاحه ولرجاحة عقله وخلقه ، يقف منه قومه موقف اليائس منه ، المفجوع فيه! لماذا؟ لأنه دعاهم إلى الدينونة لله وحده. على غير ما ورثوا عن آبائهم من الدينونة لغيره!
إن القلب البشري حين ينحرف شعرة واحدة عن العقيدة الصحيحة ، لا يقف عند حد في ضلاله وشروده. حتى إن الحق البسيط الفطري المنطقي ليبدو عنده عجيبة العجائب التي يعجز عن تصورها ؛ بينما هو يستسيغ الانحراف الذي لا يستند إلى منطق فطري أو منطق عقلي على الإطلاق!
إن صالحاً يناديهم: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.. هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..} .. فهو يناديهم بما في نشأتهم ووجودهم في الأرض من دليل فطري منطقي لا يملكون له رداً.. وهم ما كانوا يزعمون أنهم هم أنشأوا أنفسهم ، ولا أنهم هم كفلوا لأنفسهم البقاء ، ولا أعطوا أنفسهم هذه الأرزاق التي يستمتعون بها في الأرض..