على عكس الإنسان منا حين يَعِدُ بشيء ، فمن الممكن أن يأتي وقت تنفيذ الوعد ولا يستطيع .
لذلك يقول لنا الحق سبحانه:
{وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} [الكهف: 2324] .
لأنك إن قلت:"أفعل ذلك غداً"، وتعد إنساناً بلقائه لكذا وكذا ؛ فقل:"إن شاء الله"؛ لأن الله تعالى لا يمنع ترتيب أمور لزمن يأتي ، وإنما يجب أن يردف من يرتب الأمور"بمشيئة القوي القادر"حتى إذا لم ينجز ما وعد به ؛ يكون قد خرج عن الكذب ، لأن الله تعالى لم يشأ ، لأن الإنسان إذا وعد ، فهو لا يعتمد على إرادته ، ولكن مشيئة الله تعالى تعلو كل شيء .
والفعل كما نعلم يقتضي فاعلاً ، ومفعولاً ، وزمناً ، وسبباً دافعاً ، وقدرة تمكِّن الإنسان من الفعل ، فهل يملك أحدٌ شيئاً من كل هذا؟
إن الإنسان لا يملك نفسه أن يعيش إلى الغد ، ولا يملك من يعده أن يوجد غداً حتى يلقاه ، ولا يملك أن يظل السبب سبباً للِّقاء ؛ فربما انتهى السبب ، ولا يملك حين تجتمع الأسباب كلها أن توجد له قدرة وقوة على إنفاذ السبب .
إذن: فإذا قال:"أفعل ذلك غداً مع فلان"؛ يكون قد جازم وتكلم في شيء لا يملك عنصراً واحداً من عناصره ، فقل:"إن شاء الله"، أي: أنك تستعين بمشيئة من يملك كل هذه العناصر .
ويعطي الحق سبحانه في كل لقطة إيمانية من اللقطات ، قدرته على خلقه فهو سبحانه القائل:
{فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65] .
وقوله: {فِي دَارِكُمْ} لأن من هؤلاء الذين كفروا قوماً في مكان يختلف عن مكان آخر يوجد به أيضاً قوم كافرون ، ومنهم المسافر ، ومنهم العائد من سفر ، فتتبعهم العذاب حيثما كانوا ، فلم ينزل على مكان واحد ، إنما نزل على المكين منهم في أي مكان .