ويقول الحق سبحانه:
{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا} [هود: 61] .
والإنشاء هو الإيجاد ابتداء من غير واسطة شيء ، ويقال: أنشأ ، أي: أوجد وجوداً ابتداءً من غير الاستعانة بشيء آخر .
لذلك لا نقول لمن اخترع: إنه"أنشأ"لأنه استعان بأشياء كثيرة ليصل إلى اختراعه ؛ فقد يكون مستعيناً بمادة أخذها من الجبال ، وبخبره تجارب صنعها من سبقوه ، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الذي ينشئ من عدم .
والوجود من العدم قسمان: قسم أوجدته باستعانة بموجود ، وقسم أوجدته من عدم محض ، وهذا الأخير هو الإنشاء ولا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى .
والحق سبحانه جلَّت مشيئته في الإنشاء ، فهو ينشئ الإنسان من التقاء الزوج والزوجة ، وإن أرجعت هذا الإنشاء إلى البداية الأولى في آدم عليه السلام ، فستجد أن الحق سبحانه وتعالى قد خلقه من نفس مادة الأرض ، والأرض مخلوق من مخلوقات الله .
فمنيُّ الزوج وبويضة الزوجة يتكونان من خلاصة الدم ، الذي هو خلاصة الأغذية وهي تأتي من الأرض ، فسواء رمزت لآدم بإنشائه من الأرض ، أو أبقيتها في ذريته ، فكل شيء مَردُّه إلى الأرض .
وقول الحق سبحانه:
{أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا} [هود: 61] .
نجد فيه كلمة {استعمركم} وساعة ترى الألف والسين والتاء فاعلم أنها للطلب ، وهكذا يكون معنى كلمة"استعمر"هو طلب التعمير .
ومن الخطأ الشائع تسمية البلاد التي تحتل بلاداً أخرى:"دول الاستعمار".
أقول: إن ذلك خطأ ، لأنهم لو كانوا دول استعمار ، فهذا يعني أنهم يرغبون في عمارة الأرض ، ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا يخربون في الأرض ؛ ولذلك كان يجب أن تسمى"دول الاستخراب".
{واستعمركم فِيهَا} أي: طلب منكم عمارتها ، وهذا يتطلب أمرين اثنين: أن يبقي الناس الأمر الصالح على صلاحه ، أو يزيدوه صلاحاً .