ووجّه في"الكشاف"اقترانه بالفاء بأنّ فعل {نادى} مستعمل في إرادة النداء ، أي مثل فعل (قمتم) في قوله تعالى: {يأيهَا الّذينَ آمنوا إذَا قمْتم إلى الصّلاة فَاغْسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] الآية ، يريد أن ذلك إخراج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر فإنّ وجود الفاء في الجملة التي هي بيان للنداء قرينة على أن فعل {نادى} مستعار لمعنى إرادة النداء ، أي أراد نداءَ ربه فأعقب إرادته بإصدار النداء ، وهذا إشارة إلى أنه أراد النداء فتردّد في الإقدام عليه لِما علم من قوله تعالى: {إلا من سبق عليه القول} [هود: 40] فلم يطل تردّده لمّا غلبته الشفقة على ابنه فأقدم على نداء ربه ، ولذلك قدم الاعتذار بقوله: {إنّ ابني من أهلي} .
فقوله: {إن ابني من أهلي} خبر مستعمل في الاعتذار والتمهيد لأنّه يريد أن يسأل سؤالاً لا يدري قبوله ولكنّه اقتحمه لأن المسؤول له من أهله فله عذر الشفقة عليه.
وتأكيد الخبر بـ {إنّ} للاهتمام به.
وكذلك جملة {وإنّ وعدك الحق} خبر مستعمل في لازم الفائدة.
وهو أنّه يعلم أن وعد الله حق.
والمراد بالوعد ما في قوله تعالى: {إلاّ من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} [المؤمنون: 37] إذ أفاد ذلك أن بعض أهله قد سبق من الله تقدير بأنّه لا يركب السفينة.
وهذا الموصول متعيّن لكونه صادقاً على ابنه إذ ليس غيره من أهله طَلب منه ركوب السفينة وأبى ، وأنّ من سبق علم الله بأنه لا يركب السفينة من الناس فهو ظالم ، أي كافر ، وأنه مغرق ، فكان عدم ركوبه السفينة وغرقه أمارة أنه كافر.
فالمعنى: أن نوحاً عليه السّلام لا يجهل أنّ ابنه كافر ، ولذلك فسؤال المغفرة له عن علم بأنه كافر ، ولكنّه يطمع لعل الله أن يعفو عنه لأجل قرابته به ، فسؤاله له المغفرة بمنزلة الشفاعة له عند الله تعالى ، وذلك أخذ بأقصى دواعي الشفقة والرحمة بابنه.